تمتلك أفريقيا ثروة معدنية استثنائية، إذ تستحوذ على نحو 30% من الاحتياطيات المعدنية العالمية وفق تقديرات حديثة، لكنها لا تحصل سوى على جزء محدود من القيمة التي تولدها هذه الموارد. ويجسد النحاس والكوبالت هذه المفارقة بوضوح، فالقارة تمتلك احتياطيات ضخمة وتلعب دوراً استراتيجياً في الإنتاج العالمي، بينما تتم معظم عمليات المعالجة وخلق القيمة خارج أفريقيا.
تضم القارة نحو 55% من الاحتياطيات العالمية من الكوبالت، فيما تمثل احتياطياتها من النحاس حوالي 5.9% من الاحتياطيات العالمية. وبالاستناد إلى تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية التي قدرت الاحتياطيات العالمية من النحاس بنحو 980 مليون طن في عام 2024، فإن ذلك يعادل حوالي 58 مليون طن من النحاس المحتوى ضمن الاحتياطيات الأفريقية.
ويمثل الكوبالت أصلاً استراتيجياً أكثر أهمية. فقد قدرت الاحتياطيات العالمية منه بنحو 11 مليون طن في عام 2024، بينما توجد نحو 55% منها في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أي ما يقارب 6 ملايين طن. كما تهيمن الكونغو الديمقراطية بشكل كبير على الإنتاج العالمي من الكوبالت.
قوة إنتاجية كبرى لا تزال تعتمد على الاستخراج
أنتجت جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 2.99 مليون طن من النحاس المستخرج في عام 2024، من بينها 2.56 مليون طن من النحاس المكرر. كما بلغ إنتاجها من الكوبالت نحو 226 ألف طن، أي ما يقارب 75% من الإنتاج العالمي خلال العام نفسه.
وتعد زامبيا ثاني أكبر مركز لإنتاج النحاس في أفريقيا. فقد بلغ إنتاجها نحو 825.5 ألف طن في عام 2024، قبل أن يرتفع إلى حوالي 890.3 ألف طن في عام 2025. وكانت البلاد تمثل نحو 3.6% من الإنتاج العالمي للنحاس في عام 2024.
وتجعل هذه الأرقام من النحاس والكوبالت ركيزتين أساسيتين للصناعة التعدينية الأفريقية، ولا سيما في مجالات البطاريات والسيارات الكهربائية وشبكات الكهرباء والإلكترونيات والبنية التحتية للطاقة.
غير أن التحدي الرئيسي لا يتمثل في نقص الموارد، وإنما في محدودية عمق سلاسل القيمة المحلية. فما تزال نسبة مهمة من المعادن الأفريقية تصدر في شكل خامات أو مركزات أو منتجات شبه معالجة، بينما تتركز عمليات التكرير المتقدمة وتصنيع مواد البطاريات والسبائك والمكونات الصناعية بشكل أساسي في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية.
وتبدو الإمكانات الاقتصادية هائلة. فقد قدرت مؤسسة التمويل الأفريقية قيمة الموارد المعدنية الموجودة في مواقع التعدين بالقارة بنحو 29.5 تريليون دولار، منها حوالي 8.6 تريليون دولار لا تزال غير مستغلة. ويعكس ذلك حجم الثروة المعدنية الأفريقية قبل احتساب القيمة الإضافية التي يمكن خلقها من خلال التصنيع والمعالجة الصناعية.
كما أن العائدات المتولدة حالياً ضخمة. فقد بلغت صادرات المعادن الأفريقية عدة مئات من مليارات الدولارات في عام 2024، مع بروز جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب أفريقيا وزامبيا وغينيا وغانا ضمن أبرز المراكز التعدينية في القارة. وفي الكونغو الديمقراطية، بلغت قيمة الصادرات الإجمالية 34.9 مليار دولار في عام 2024، جاء 79.3% منها من النحاس و10.9% من الكوبالت.
ويعكس قطاع التعدين في جنوب أفريقيا أيضاً الوزن الاقتصادي الكبير للصناعة. فقد اقتربت إيرادات قطاع التعدين من تريليون راند في عام 2024، بينما بلغت صادرات المعادن حوالي 774 مليار راند.
التصنيع المحلي يتحول إلى أولوية
في ظل هذه المعطيات، تسعى عدة دول أفريقية إلى الانتقال من نموذج تصدير الموارد إلى استراتيجية تقوم على التصنيع المرتبط بالتعدين. وتعمل جمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا وغينيا وزيمبابوي على تعزيز سياسات المعالجة المحلية، فيما تستهدف استثمارات جديدة إنشاء مصاهر ومصافي ووحدات لمعالجة المعادن وسلاسل إنتاج مرتبطة بالبطاريات.
ويحتل ممر لوبيتو موقعاً استراتيجياً في هذه المنظومة الجديدة. فهو يربط مناطق التعدين في الكونغو الديمقراطية وزامبيا بالساحل الأطلسي لأنغولا، ومن شأنه تقليص تكاليف النقل وفترات العبور، مع دعم اندماج سلاسل القيمة الإقليمية.
ويمثل إضفاء الطابع الرسمي على التعدين الحرفي تحدياً آخر. ويوفر هذا القطاع سبل العيش لنحو 10 ملايين شخص في أفريقيا، ويشكل مصدراً مهماً للدخل، خصوصاً في المجتمعات الريفية. ويمكن أن يساهم تنظيمه في تحسين التتبع وظروف العمل والعائدات الضريبية وحوكمة الموارد.
وبالتالي، لم يعد التحدي أمام أفريقيا يقتصر على زيادة إنتاج النحاس أو الكوبالت، بل أصبح يتمثل في رفع قدرات التكرير والتصنيع المحلي وإنتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى، وتطوير صناعات قادرة على تحويل الموارد المعدنية إلى بطاريات وكابلات وسبائك ومعدات كهربائية ومكونات صناعية.
وفي ظل السباق العالمي على المعادن الحيوية، فإن الميزة الاستراتيجية الحقيقية لأفريقيا لن تعتمد فقط على حجم احتياطياتها، بل على قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى إنتاج صناعي وفرص عمل وإيرادات عامة وتكنولوجيا وسلاسل قيمة أفريقية.




