Français
Español
English
السبت, 24 يناير 2026
14.1 C
Casablanca
اشترك

أحدث المقالات

كيف صمدت ملاعب المغرب أمام تقلبات الطقس خلال هذه الكان

بقلم: شرف الدين سريعي

أصبحت جودة العشب في ملاعب كرة القدم، في ظل الظروف المناخية الشتوية بالمغرب، الموضوع الأكثر تداولًا مع انطلاق كأس أمم إفريقيا 2025 بالمملكة، بما في ذلك لدى متابعي كرة القدم على المستوى القاري.

وفي وضع غير مسبوق في إفريقيا، واجهت الملاعب المغربية أمطارًا غزيرة ومناخًا غير مستقر، ومع ذلك ظلت أرضيات الملاعب صالحة للعب طوال الدور الأول، الذي تميز بتساقطات مطرية كثيفة، من دون أي توقف أو تأجيل للمباريات. وهو ما أثار دهشة الجماهير، وحظي بإشادات وتعليقات إيجابية من اللاعبين والمدربين والمحللين الفنيين.

وخلال مشهد لافت في مباراة الافتتاح بين المنتخب المغربي ومنتخب جزر القمر، لوحظ أن اللقاء لم يتوقف رغم الأمطار الغزيرة التي هطلت على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله. لم تظهر أي برك مائية على السطح، ولم تترك التربة الثقيلة أي أثر، ما سمح باستمرار اللعب بشكل طبيعي.

لكن يبقى السؤال مطروحًا: ما سر هذا الأداء التقني غير المسبوق للعشب في الملاعب المغربية؟ وما الذي يجعلها قادرة على الصمود أمام تقلبات الطقس بما يفوق التوقعات؟

من الجذور إلى التقنية: حلول مدفونة تحت العشب

يصف الخبراء التقنيون الذين تابعوا تجهيز الملاعب قبل انطلاق البطولة هذا النجاح بأنه ثمرة دمج علمي بين العشب الطبيعي، والتقنيات الحديثة، والصيانة الدقيقة. وفي صلب هذا الإنجاز تبرز تقنية متطورة تُعرف باسم “SubAir”، وهي شبكة معقدة من القنوات والضواغط أسفل سطح الأرض، تجمع بين التصريف السريع للمياه، والتهوية الفعالة للتربة، وتنظيم درجة حرارة الجذور.

وبحسب تقارير تقنية، يستطيع هذا النظام امتصاص كميات كبيرة من مياه الأمطار بسرعة، وتوجيهها نحو شبكات الصرف من دون تشكّل برك على السطح، ما يسمح لطبقات التربة والعشب بالحفاظ على حالة مثالية للعب. ويتجاوز هذا النظام بكثير ما هو معمول به في الملاعب التقليدية التي تعتمد فقط على الجاذبية أو قنوات سطحية بسيطة.

وقد أسهمت فعالية هذا النظام في اعتماد ما يُعرف بالعشب الهجين (Hybrid Grass)، الذي يمزج بين العشب الطبيعي والألياف الاصطناعية، مانحًا الأرضية ثباتًا أكبر وقدرة أسرع على استعادة شكلها بعد الاستعمال المكثف أو الأمطار الغزيرة. وتعزز هذه الطبقات المتداخلة من العشب والتربة والرمل متانة الملعب، وتخفف الضغط عن الجذور، ما يجعل السطح صلبًا ومستقرًا حتى مع كثافة الاستخدام.

آراء الخبراء والفاعلين الأفارقة: إشادة بلا تحفظ

لم تتأخر ردود الفعل الإيجابية. فقد عبّر سامي الطرابلسي، المدرب السابق للمنتخب التونسي، عن إعجابه الكبير بأرضيات الملاعب، مؤكدًا أن الأمطار الغزيرة التي استمرت لساعات لم تؤثر على جودة الملعب، ما أتاح للفرق تقديم كرة القدم التي تفضلها من دون عوائق.

كما أشاد صحفي رياضي إفريقي، عضو لجنة التغطية الإعلامية للبطولة، بجودة الملاعب، مشيرًا إلى أن ما يُشاهد في المغرب غير مألوف في كأس أمم إفريقيا، حيث تعاني العديد من الدول من مشاكل في تصريف المياه أو من غمر كامل للملاعب عند هطول الأمطار.

من جهته، أكد محلل بإحدى القنوات الرياضية الدولية أن هندسة الملاعب المغربية تحترم أعلى معايير الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والاتحاد الإفريقي (كاف)، وهو ما انعكس بوضوح خلال المباريات، وأتاح للاعبين مواصلة اللعب من دون أي توقف.

التعلم من الماضي: من “مول الكراطة” إلى الاحتراف العالمي

لا يمكن فهم هذا التطور من دون العودة إلى ذاكرة الملاعب المغربية قبل عشر سنوات، حين كانت بعض الملاعب تعاني من مشاكل كبيرة في التعامل مع الأمطار، كما حدث في ملعب الأمير مولاي عبد الله في واقعة اشتهرت إعلاميًا باسم “مول الكراطة”، حيث غمرت المياه أرضية الملعب وأثرت على سير المباراة بالكامل.

وقد شكلت تلك التجارب دروسًا قاسية دفعت الجهات المشرفة على الرياضة والفرق التقنية في المغرب إلى الاستثمار في البحث والتكنولوجيا والبنية التحتية لعشب الملاعب، بدل الاكتفاء بالأساليب التقليدية. واليوم يبدو أن هذا الاستثمار قد أثمر، إذ بلغ المغرب مستويات مماثلة لما هو معمول به في أوروبا والولايات المتحدة في مجال تجهيز الملاعب وصيانتها قبل وأثناء المباريات.

المكونات التقنية: ما وراء الصور والأضواء

لا يقتصر أثر هذه التكنولوجيا على التصريف فقط، بل يشمل أيضًا صحة العشب وطول عمره. فالعشب الهجين المستخدم على نطاق واسع في الملاعب المغربية يجمع بين المرونة الطبيعية التي يوفرها العشب الطبيعي، والصلابة والاستدامة التي تضيفها الألياف الاصطناعية. ويقلل هذا المزيج من تمزق العشب تحت ضغط اللاعبين، ويحافظ على لونه ونعومته طوال البطولة.

كما أن الصيانة اليومية، التي تشمل مراقبة مستويات الرطوبة، والتغذية الدقيقة للتربة، وعمليات التهوية المنتظمة، تمنع العشب من الانزلاق أو الاستسلام للظروف المناخية القاسية. ويتطلب هذا العمل الدقيق فرقًا متخصصة تعمل بشكل متواصل، حتى بين المباريات، لضمان جاهزية الأرضية قبل كل لقاء.

مقاربة استراتيجية أشمل: المغرب نموذجًا في إفريقيا

أبهر المغرب القارة الإفريقية ليس فقط من حيث التنظيم التقني واللوجستي، بل أيضًا بقدرته على توظيف التكنولوجيا بفعالية في المجال الرياضي. ويتجلى ذلك في إنشاء أكبر مشتل للعشب الرياضي في إفريقيا بالقرب من طنجة، حيث يُنتج نوعًا متخصصًا من العشب الطبيعي المعتمد وفق معايير دولية عالية، ويُستخدم في الملاعب الكبرى.

إن المشهد الذي شاهده العالم في تلك الملاعب تحت الأمطار الغزيرة — كرة تنساب بسلاسة، لاعبون لا يترددون، ومباريات تُلعب دون أي مشاكل تقنية — لم يكن مجرد لوحة جمالية، بل مؤشرًا واضحًا على أن علم تجهيز الملاعب الحديث أصبح جزءًا أساسيًا من التنافس الدولي في مجال تنظيم التظاهرات الرياضية.

حين تخدم العلوم كرة القدم

عندما يتعلق الأمر بأرضية الملعب، تصبح التفاصيل التقنية أكثر أهمية من مجرد المشهد الأخضر تحت الأضواء. ففي المغرب، أثبتت ملاعب كأس أمم إفريقيا 2025 أن الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة، والأنظمة الحديثة مثل SubAir، والعشب الهجين، والمتابعة اليومية لصحة الأرضية، هو ما يجعل العشب قادرًا على مقاومة تقلبات الطقس من دون التأثير على أداء اللاعبين أو جودة المباريات.

وإذا ما نجح منتخبنا في المباراة النهائية في التفوق على خصمه في يوم الحسم، أشقائنا السنغاليين، فسيُقال إن المغرب كان في نهاية المطاف أول مستفيد من جودة عشب ملاعبه الاستثنائية.

قد يعجبك ايضا