لا يربط الرباط أي اتفاق تجاري بأمريكا اللاتينية بعد. ولا تربط سانتياغو أي اتفاق بإفريقيا. وبفتحها محادثات لسد هذا الفراغ المزدوج دفعة واحدة، يؤكد المغرب استراتيجية طويلة الأمد: التموقع كبوابة إلزامية بين القارتين.
رقم واحد يكفي لقياس المسافة المقطوعة: انتقلت المبادلات بين المغرب وتشيلي من 10.4 ملايين دولار سنة 2003 إلى 80.3 مليون دولار سنة 2025، بمعدل نمو سنوي متوسط بلغ 31.5 في المائة خلال السنوات الخمس الأخيرة. وفي هذا السياق، أكدت سانتياغو، يوم الخميس 3 شتنبر، انطلاق محادثات رسمية بهدف التوصل إلى اتفاق تجاري مع الرباط – وهو إعلان جاء على لسان مدير الشؤون الاقتصادية الثنائية بكتابة الدولة التشيلية للعلاقات الاقتصادية الدولية (SUBREI)، فيليبي لوبيانديا، أمام مجلس المجتمع المدني التابع للمؤسسة.
سبق مزدوج يكشف النوايا التشيلية
سيكون هذا الاتفاق، في حال إبرامه، فريدا من نوعه بالنسبة للطرفين معا: أول اتفاق تجاري لتشيلي مع دولة إفريقية، وأول اتفاق للمغرب مع دولة من أمريكا اللاتينية. رمزية لم تُخفها سانتياغو: فلوبيانديا لم يقدم المغرب كمجرد سوق استهلاكية بـ40 مليون نسمة، بل صراحة كرأس جسر نحو “بقية القارة الإفريقية”، التي تمثل اقتصاداتها الناشئة، حسب تعبيره، رافعة النمو الحقيقية المقبلة للمصدرين التشيليين.
هذه القراءة ليست جديدة: فهي امتداد للإعلان المشترك الموقع بالرباط يوم 9 يونيو الماضي بين كاتبة الدولة التشيلية باولا إستيفيز وكاتب الدولة المغربي المكلف بالتجارة الخارجية عمر حجيرة، وكذلك أول جولة أعمال تنظمها هيئة “ProChile” في شمال إفريقيا خلال الشهر نفسه – بمشاركة 16 شركة تشيلية وأزيد من 30 مستوردا من المغرب وإفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، و188 لقاء أعمال أفضت إلى توقعات صفقات تجاوزت 16 مليون دولار.
اختلال تجاري يكشف إمكانات لم تُستغل بعد
تروي الأرقام الحالية علاقة لا تزال متواضعة وغير متوازنة: 63.7 مليون دولار من الواردات المغربية من تشيلي سنة 2025، مقابل 16.6 مليون دولار فقط من الصادرات التشيلية نحو المغرب – أغلبها منتجات فلاحية غذائية (الجوز، الزبيب، الزبدة، منتجات بحرية) تمثل 77 في المائة من المجموع. ومن أصل 62 شركة تشيلية مصدرة نحو المملكة، تمثل المقاولات المتناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة أزيد من الربع، وهو مؤشر على علاقة تجارية لا تزال ناشئة أكثر منها مهيكلة حول مجموعات كبرى.
وهذا الاختلال بالذات ما تريد سانتياغو تصحيحه: إذ يقدر مركز التجارة الدولية الإمكانات الإضافية للصادرات التشيلية نحو المغرب بـ48 مليون دولار في أفق 2030، تمثل فيها المنتجات الفلاحية أكثر من 40 في المائة – الكيوي والأفوكادو والكرز واللوز والتوت المجمد – في سوق مغربية استوردت، من مختلف الموردين، ما يفوق 11 مليار دولار من المنتجات الفلاحية والغذائية سنة 2025. وقد سبق للبلدين توقيع بروتوكول للتعاون الصحي والصحي النباتي والحيواني في غشت الماضي بين وكالتي السلامة الغذائية في البلدين، من المفترض أن يسهل هذه الطفرة المعلنة.
ما يكشفه هذا الاتفاق عن الدبلوماسية الاقتصادية المغربية
أبعد من الأرقام، تعكس هذه المحادثات ثابتا في الاستراتيجية التجارية للمملكة خلال السنوات الأخيرة: مضاعفة اتفاقيات الجيل الجديد مع شركاء لا تربطهم، حتى الآن، أي بوابة دخول إلى القارة الإفريقية – وهي ورقة يستثمرها المغرب بشكل منهجي في مفاوضاته، سواء تعلق الأمر بأمريكا اللاتينية اليوم أو بأسواق ناشئة أخرى سابقا. أما بالنسبة لسانتياغو، المنخرطة في تنويع نشط لأسواقها الخارجية، فإن العلاقة مع الرباط ليست غاية في حد ذاتها، بل نقطة دخول نحو سوق قارية. ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان الاتفاق المرتقب سيسمح للمغرب أيضا بتثمين عرضه التصديري الخاص في السوق التشيلية – وهو جانب لا تزال التصريحات الرسمية التشيلية أكثر تحفظا بشأنه حاليا.




