يدخل المغرب السنة المالية 2027 بطموحات اقتصادية واجتماعية ترتكز على هدفين رئيسيين، يتمثل أولهما في الحفاظ على دينامية النمو الاقتصادي، فيما يتعلق الثاني بتحسين الدخل المتاح للأسر وتخفيف العبء الضريبي عن الفئات المعنية. وتعكس التوجهات العامة لمشروع قانون المالية الجديد حرص الحكومة على تحقيق توازن بين دعم الاستهلاك الداخلي وتحفيز الاستثمار وضبط التوازنات المالية.
ويشكل توقع تحقيق معدل نمو اقتصادي بنسبة 3.7% خلال سنة 2027 إحدى الفرضيات الأساسية التي تقوم عليها البرمجة المالية الجديدة. ويعكس هذا التقدير رغبة السلطات العمومية في المحافظة على وتيرة إيجابية للنشاط الاقتصادي، رغم استمرار حالة عدم اليقين التي تطبع الاقتصاد الدولي، بفعل التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسعار الطاقة والاضطرابات التي تشهدها بعض سلاسل التوريد العالمية.
وتراهن المملكة، لتحقيق هذا الهدف، على مواصلة تنفيذ برامج الاستثمار العمومي والخاص، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز تنافسية القطاع الصناعي، والاستفادة من الأداء الإيجابي للأنشطة السياحية والخدماتية. كما سيظل تطور الموسم الفلاحي عاملاً حاسماً في تحديد مستوى النمو الاقتصادي، بالنظر إلى الوزن الذي يحتله القطاع الزراعي في الاقتصاد الوطني.
غير أن الرهان الاقتصادي لا يقتصر على تحقيق مؤشرات نمو إيجابية، بل يمتد إلى معالجة أحد أبرز الانشغالات الاجتماعية المرتبطة بالقدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا السياق، تحتل مراجعة الضريبة على الدخل موقعاً محورياً ضمن التوجهات المالية المعلنة، من خلال اعتماد مسار تدريجي لتخفيف الضغط الضريبي يمتد إلى غاية سنة 2030.
إصلاح ضريبي تدريجي لدعم الأجور وتحفيز الاستهلاك الداخلي
يهدف التخفيض التدريجي للضريبة على الدخل إلى تحسين الأجور الصافية والمداخيل المتاحة لفئات من الملزمين، ولا سيما الأجراء والشرائح المتوسطة. ومن شأن هذا التوجه، بحسب نطاق تطبيقه، أن يساهم في تنشيط الطلب الداخلي وتعزيز الاستهلاك الأسري، باعتباره أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي المغربي.
وتشير المعطيات المتعلقة بالإصلاح إلى الإبقاء على عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل عند 60 ألف درهم سنوياً، مع اعتماد سلم ضريبي انتقالي خلال سنة 2027 يتضمن معدلات هامشية تبلغ 10% و20% و34% و37% بحسب شرائح الدخل، على أن يتراجع المعدل الهامشي الأعلى تدريجياً ليصل إلى 30% بحلول سنة 2030، وفق المسار الإصلاحي المعلن، مع بقاء هذه المقتضيات رهينة بالمسطرة التشريعية والمصادقة النهائية.
ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يؤدي تخفيف العبء الضريبي عن مداخيل العمل إلى تحقيق مجموعة من الآثار الإيجابية، في مقدمتها تحسين الدخل الصافي للمستفيدين، ودعم الإنفاق الاستهلاكي، وتعزيز جاذبية التشغيل المهيكل. كما قد يساهم في توفير هوامش مالية إضافية للأسر لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة والإنفاق على السكن والتعليم والصحة.
غير أن فعالية هذه الإجراءات ستظل مرتبطة بكيفية توزيع المكاسب الضريبية بين مختلف فئات الدخل، ومدى انعكاسها الفعلي على القدرة الشرائية. فالتخفيضات الضريبية لا تحقق بالضرورة استفادة متساوية بين جميع المواطنين، خصوصاً أن الفئات غير الخاضعة أصلاً للضريبة على الدخل لن تستفيد بصورة مباشرة من تعديل سلمها.
وفي المقابل، يطرح هذا الإصلاح تحدياً يتعلق بالحفاظ على موارد الميزانية العامة، بالنظر إلى أن أي تخفيض في المداخيل الجبائية ينبغي أن يواكبه تحسين في تعبئة الموارد وتوسيع الوعاء الضريبي وتعزيز فعالية التحصيل ومحاربة التهرب الضريبي والاقتصاد غير المهيكل. وتزداد أهمية هذا التحدي في ظل الحاجيات التمويلية المتنامية المرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية، ومواصلة إنجاز المشاريع الكبرى للبنيات التحتية، فضلاً عن تمويل البرامج الرامية إلى تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
ومن هذا المنطلق، سيكون نجاح التوجه المالي الجديد رهيناً بقدرة الاقتصاد المغربي على خلق المزيد من فرص الشغل المنتجة، وتحسين إنتاجية المقاولات، وتوسيع قاعدة النشاط الاقتصادي، بما يسمح بتعويض جزء من الموارد الجبائية المتأثرة بالتخفيضات المقررة. كما أن تعزيز القدرة الشرائية لا يرتبط بالسياسة الضريبية وحدها، بل يتطلب تطوراً موازياً في الأجور الحقيقية ومستويات التشغيل والإنتاجية، إلى جانب التحكم في الضغوط التضخمية التي قد تحد من الأثر الإيجابي لأي زيادة في الدخل الصافي.
وبالنسبة للمقاولات، يمكن أن يشكل هذا الإصلاح عاملاً مساعداً على تحسين جاذبية سوق الشغل ودعم الاستقرار الاجتماعي، خصوصاً إذا ترافق مع سياسات تستهدف رفع تنافسية النسيج الإنتاجي وتحفيز الاستثمار في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية. وفي أفق سنة 2030، تكتسي هذه التوجهات أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تستعد المملكة لمواكبتها، وما تتطلبه من موارد بشرية مؤهلة واستثمارات منتجة وقدرة أكبر على تعبئة التمويلات العمومية والخاصة.
وهكذا، فإن الجمع بين نمو اقتصادي متوقع بنسبة 3.7% سنة 2027 وتخفيف تدريجي للضريبة على الدخل حتى عام 2030 يعكس توجهاً نحو ربط الاستقرار الماكرو اقتصادي بتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. غير أن الاختبار الحقيقي لهذا المسار سيظل مرتبطاً بمدى تحويل هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة ومستدامة، قادرة على تحقيق نمو أكثر شمولاً وعدالة في توزيع ثماره.


