أحدث المقالات

حظر التسويق الهاتفي في فرنسا: 50 ألف وظيفة؟

منذ 11 غشت 2026، انتقلت فرنسا إلى نظام يقوم على الموافقة المسبقة، إذ لم يعد بإمكان أي شركة الاتصال هاتفياً بالأفراد لأغراض تجارية دون الحصول مسبقاً على موافقتهم الصريحة، باستثناء بعض الحالات التي تحددها القوانين والأنظمة. ويهدف هذا الإصلاح أساساً إلى حماية المستهلكين من المكالمات التجارية غير المرغوب فيها، غير أنه يخلف تداعيات تتجاوز السوق الفرنسية بكثير. وفي المغرب، يضع هذا القرار جزءاً مهماً من قطاع علاقات الزبناء، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على السوق الفرنسية، تحت الضغط.

وقد حذر وزير الإدماج الاقتصادي المغربي، يونس السكوري، من احتمال تأثر ما بين 40 ألفاً و50 ألف وظيفة. غير أن الأمر لا يتعلق بـ50 ألف حالة فقدان مؤكدة للوظائف، بل بحجم مناصب شغل قد يصبح معرضاً للخطر إذا لم تتم إعادة تحويل أنشطة التسويق والتنقيب الهاتفي بسرعة نحو أنشطة أخرى.

وتكتسي القضية طابعاً استراتيجياً، بالنظر إلى أن قطاع مراكز علاقات الزبناء في المغرب يوفر حوالي 120 ألف وظيفة مباشرة، إضافة إلى نحو 50 ألف وظيفة غير مباشرة، ويساهم بما يتراوح بين 10 و12 مليار درهم من القيمة الاقتصادية سنوياً، وفق المعطيات التي قدمتها الحكومة المغربية.

وفي سنة 2023، بلغت استثمارات القطاع حوالي 1.3 مليار درهم. والأهم من ذلك أن السوق الفرنسية تمثل أكثر من 80% من رقم معاملات مراكز علاقات الزبناء الأجنبية العاملة بنظام الأوفشورينغ في المغرب، وهو ما يفسر حجم المخاوف الحالية. وتعد الهياكل التي تعتمد أساساً على البيع الهاتفي، والتنقيب البارد عن العملاء، وحجز المواعيد، والحملات الهاتفية الصادرة نحو الأفراد في فرنسا، الأكثر تعرضاً للتأثير.

في المقابل، فإن أنشطة خدمة الزبناء الواردة، والمساعدة التقنية، والدعم، وخدمات الـBack-office، أو الاتصالات الموجهة إلى عملاء محتملين سبق لهم أن وافقوا على التواصل معهم، لا تستهدفها القاعدة الجديدة بشكل مباشر.

صدمة تنظيمية قد تسرّع التحول

السؤال الحقيقي بالنسبة إلى المغرب لا يتمثل بالضرورة في معرفة ما إذا كانت 50 ألف وظيفة ستختفي، وإنما في معرفة ما إذا كان القطاع سيتمكن من تحويل الوظائف المعرضة للخطر بالسرعة الكافية. فقد أعادت القواعد التنظيمية الفرنسية الجديدة إلى الواجهة بشكل مفاجئ هشاشة هيكلية تتمثل في الاعتماد الكبير لنشاط الأوفشورينغ المغربي على السوق الفرنسية وعلى بعض أنشطة الاتصال الهاتفي التقليدية.

وبالنسبة إلى الفاعلين المغاربة، يمر الحل الآن عبر تنويع الأسواق والارتقاء بمستوى الخدمات، من خلال علاقات الزبناء متعددة القنوات، وخدمات التعهيد في العمليات التجارية (BPO)، والتدبير الإداري، والتأمين، والمالية، والتجارة الإلكترونية، والدعم التقني، ومعالجة البيانات، والذكاء الاصطناعي والخدمات الرقمية. وقد يدفع هذا التحول الشركات أيضاً إلى توسيع أنشطتها نحو أسواق أوروبية أخرى، وإفريقيا، وكندا، والأسواق الناطقة بالإنجليزية.

وتزداد أهمية هذا التحدي بالنظر إلى أن مراكز الاتصال تشكل خزّاناً مهماً للتشغيل، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب، كما تساهم في تعزيز جاذبية عدد من المدن المغربية. وبالتالي، فإن الانكماش الحاد في أنشطة الاتصال الصادرة قد تكون له تداعيات متسلسلة على التشغيل والاستثمارات والنقل والمطاعم والخدمات المرتبطة بالقطاع. غير أن وجود هذا الخطر لا يعني بالضرورة تدميراً آلياً لمناصب الشغل، إذ يمكن إعادة توجيه جزء من العاملين نحو أنشطة جديدة إذا استبقت الشركات التحول وأعادت هيكلة محفظة خدماتها في الوقت المناسب.

وقد يشكل 11 غشت 2026 بالتالي ليس تاريخ نهاية مراكز الاتصال المغربية، وإنما بداية مرحلة جديدة للأوفشورينغ الوطني. وتتمثل الأولوية الآن في تحديد الوظائف المرتبطة فعلياً بالتسويق الهاتفي نحو فرنسا، ورصد الشركات الأكثر عرضة للتأثر، وتسريع تنويع أنشطتها، وتعزيز التكوين في المهن الرقمية والخدمات ذات القيمة المضافة الأعلى. ومن ثم، ينبغي النظر إلى رقم 40 ألفاً إلى 50 ألف وظيفة باعتباره إشارة تحذير، وليس حصيلة اجتماعية نهائية أو مؤكدة.

ويبقى السؤال المركزي: هل سيتمكن المغرب من تحويل قيد تنظيمي تم اعتماده في فرنسا إلى فرصة لتطوير صناعة علاقات الزبناء نحو نموذج أكثر تنوعاً وتكنولوجية وقدرة على الصمود؟

ومن المرجح أن يتحدد خلال السنوات المقبلة، بناءً على قدرة القطاع على تنفيذ هذا التحول، مستقبل عشرات الآلاف من الوظائف ومستقبل صناعة أصبحت تشكل مكوناً مهماً من اقتصاد الخدمات المصدرة للمملكة.

قد يعجبك ايضا