أحدث المقالات

المقاولات الصغيرة والمتوسطة تطالب الأحزاب بالتزامات واضحة

مع انطلاق الحملة الانتخابية للاستحقاقات البرلمانية المقررة في 23 شتنبر 2026، اختارت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة تغيير أسلوبها في الحوار مع الأحزاب السياسية، مطالبة هذه الأخيرة بالتزامات مكتوبة ودقيقة وقابلة للقياس بدل الوعود الانتخابية.

دخلت وضعية المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة بقوة إلى صلب النقاش الاقتصادي والانتخابي في المغرب، مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية. فقد وجهت الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة مذكرة إلى أبرز الأحزاب السياسية، تتضمن 13 أولوية وطنية، مطالبة بإجابات واضحة حول الإجراءات التي تعتزم هذه الأحزاب اتخاذها لدعم المقاولات الصغيرة ورواد الأعمال الذاتيين.

وتؤكد الكونفدرالية أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من منطق الوعود إلى منطق الالتزامات، من خلال تحديد الإجراءات، والآجال، والموارد المالية والمؤسساتية، فضلاً عن مؤشرات واضحة لقياس النتائج.

نسيج اقتصادي يواجه ضغوطاً متزايدة

تستند الكونفدرالية في طرحها إلى مؤشرات تعتبرها مقلقة بشأن وضعية المقاولات الصغيرة جداً. ووفق تقديراتها، اختفت نحو 150 ألف مقاولة خلال الفترة الممتدة بين 2022 و2025، وتشكل المقاولات الصغيرة جداً 99% منها.

وتشير الكونفدرالية إلى أن وتيرة الاختفاء تعادل، وفق تقديراتها، اختفاء مقاولة صغيرة جداً كل عشر دقائق، في وقت لا تتجاوز فيه نسبة المقاولات الصغيرة جداً التي تتمكن من الوصول إلى التمويل البنكي الرسمي 5%.

وترى الكونفدرالية أن عدداً من البرامج العمومية التي أطلقت منذ 2021، من قبيل «انطلاقة» و«فرصة» و«أوراش» و«أنا مقاول»، تكتسي أهمية من حيث المبدأ، لكنها لم تأخذ بالقدر الكافي بعين الاعتبار خصوصيات المقاولات الصغيرة جداً، خصوصاً فيما يتعلق بشروط الولوج وآليات الاستفادة.

الإصلاح الضريبي في صلب مطالب المقاولات

تحتل الجبايات موقعاً محورياً في مذكرة الكونفدرالية. وتذكر هذه الأخيرة أنها سبق أن عقدت، في دجنبر 2022، اجتماعاً استعجالياً مع وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح العلوي، قبل اعتماد قانون المالية لسنة 2023، من أجل التحذير من تداعيات الإصلاح الضريبي المرتقب على المقاولات الصغيرة جداً.

وبحسب البلاغ، ارتفع تدريجياً معدل الضريبة على الشركات المطبق على المقاولات الصغيرة جداً المعنية من 10% إلى 20% ابتداء من سنة 2023.

وترى الكونفدرالية أن هذا المستوى الضريبي لا يعكس بالضرورة القدرات المالية الحقيقية لهذه المقاولات، بالنظر إلى هوامشها المحدودة وحاجتها إلى تمويل نشاطها وتحمل مختلف التكاليف.

ولهذا، تطالب بالعودة إلى معدل 10% بالنسبة للضريبة على الشركات المطبقة على المقاولات الصغيرة جداً المعنية، إلى جانب إلغاء غرامات التأخير بالنسبة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والعاملين الذاتيين الذين يثبت حسن نيتهم.

الصفقات العمومية.. أكثر من 70 مليار درهم كإمكانات سنوية

تشكّل الصفقات العمومية محوراً آخر في مطالب الكونفدرالية. فالتشريع المغربي ينص على هدف يتمثل في تخصيص 20% من الطلب العمومي لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

غير أن الكونفدرالية تعتبر أن هذا الهدف، وبعد مرور 13 سنة على إقراره، لم يتحول بعد إلى واقع ملموس بالشكل الكافي، بسبب غياب أو عدم اكتمال بعض النصوص التطبيقية وآليات تضمن احترام الحصة وقياس نتائجها.

وبناءً على حجم للاستثمار العمومي يتجاوز 350 مليار درهم سنوياً، تقدر الكونفدرالية أن التطبيق الفعلي لحصة 20% يمكن أن يتيح للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إمكانية الولوج إلى أكثر من 70 مليار درهم سنوياً من الطلب العمومي.

وترى الكونفدرالية أن هذه الموارد لا تمثل مجرد أرقام مالية، بل يمكن أن تتحول إلى رقم معاملات واستثمارات ومناصب شغل وقدرات إنتاجية جديدة، فضلاً عن تعزيز السيولة ودعم الرقمنة وتثبيت نشاط المقاولات في مختلف جهات المملكة.

13 أولوية لإعادة بناء منظومة دعم المقاولات

تقترح الكونفدرالية حزمة من 13 أولوية للمرحلة التشريعية المقبلة.

وتتصدر القائمة مسألة التمويل، من خلال الدعوة إلى إصلاح عميق لولوج المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى التمويل، وإنشاء بنك عمومي متخصص لفائدتها، وفق جدول زمني تشريعي وتنفيذي واضح.

كما تطالب بخفض معدل الضريبة على الشركات إلى 10% بالنسبة للمقاولات الصغيرة جداً المعنية، وتطبيق حصة 20% من الصفقات العمومية بشكل فعلي وقابل للمراقبة.

وتدعو أيضاً إلى تحديد أجل أقصى لأداء مستحقات المقاولات في 30 يوماً، مع اعتماد آليات ردع فعالة وهيئة مستقلة للمراقبة.

وتشمل المطالب كذلك ملاءمة الاشتراكات الاجتماعية مع القدرة الاقتصادية الحقيقية للمقاولات الصغيرة جداً، واعتماد سياسة تحفيزية لإدماج القطاع غير المهيكل، إلى جانب إنشاء وكالة خاصة بالمقاولات الصغيرة جداً تحمل اسم «Maroc TPE»، توفر مسارات مبسطة للمواكبة على المستوى المادي والرقمي في الجهات الاثنتي عشرة للمملكة.

كما تتضمن الأولويات إطلاق برنامج وطني لتمكين المقاولات الصغيرة جداً من الاستفادة الفعلية من أدوات الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وتسهيل ولوجها إلى الأسواق الدولية، ودعم المقاولة النسائية والشباب المقاولين.

وتطالب الكونفدرالية كذلك بضمان تمثيلية فعلية ودائمة للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة والعاملين الذاتيين داخل مختلف هيئات صنع القرار والمؤسسات المعنية، من بينها بنك المغرب وتمويلكم ومغرب المقاولات والوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات والمديرية العامة للضرائب والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل والوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.

خمسة أسئلة لاختبار جدية الأحزاب

لا تكتفي الكونفدرالية بتقديم مطالبها، بل تضع الأحزاب السياسية أمام خمسة أسئلة محددة.

هل ستدرج هذه الأولويات الـ13 ضمن برامجها الانتخابية؟ وما هي الإجراءات التشريعية والتنظيمية التي ستلتزم باعتمادها؟ وما هو الجدول الزمني لتنفيذها؟ وما هي الموارد المالية والمؤسساتية التي ستعبئها؟ وأخيراً، ما هي مؤشرات النتائج التي ستقبل بنشرها للعموم؟

وتعتزم الكونفدرالية نشر الإجابات التي ستتوصل بها، حتى يتمكن المقاولون والرأي العام من مقارنة التزامات مختلف الأحزاب قبل موعد الاقتراع.

المحاسبة لن تتوقف يوم الاقتراع

وتؤكد الكونفدرالية أن مبادرتها لن تنتهي في 23 شتنبر. فهي تعتزم وضع آلية لتتبع الالتزامات التي ستقدمها الأحزاب والمسؤولون العموميون بعد الانتخابات، ومقارنة ما تم التعهد به بما سيتم إنجازه فعلياً.

ومن المرتقب أن يتم تقديم تقييم عمومي لهذه النتائج خلال أولى المناظرات الوطنية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة سنة 2027.

وتشدد الكونفدرالية على أنها لا تقدم أي توجيه للتصويت ولا تدعم أي حزب سياسي، مؤكدة أن هدفها يتمثل في دفع مختلف التشكيلات السياسية إلى تقديم التزامات واضحة وذات مصداقية وقابلة للتحقق لفائدة ملايين المقاولين المغاربة.

وبذلك، تسعى الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة إلى تحويل ملف المقاولات الصغيرة من مجرد محور في البرامج الانتخابية إلى التزام سياسي قابل للقياس والمحاسبة.

فالرهان، بالنسبة إليها، لا يتعلق فقط بإنقاذ مقاولات تواجه صعوبات في التمويل والجباية والولوج إلى الأسواق، وإنما بالحفاظ على نسيج اقتصادي يشكل جزءاً أساسياً من النشاط المحلي وخلق فرص الشغل والاستثمار وتعزيز القدرة الإنتاجية في مختلف جهات المملكة.

وفي رسالة مباشرة إلى الأحزاب السياسية، تختصر الكونفدرالية موقفها في معادلة واضحة: أنتم تطلبون أصوات المغاربة، ونحن نطلب منكم التزامات لفائدة المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

فإذا كانت الوعود تنتمي إلى الحملات الانتخابية، فإن الالتزامات تنتمي إلى المسؤولية السياسية، أما النتائج فتبقى في النهاية ملكاً للمواطنين.

قد يعجبك ايضا