يواصل القطاع البنكي المغربي تعزيز متانته المالية، مدعوماً بمستويات مريحة من الأموال الذاتية ومؤشرات ملاءة تفوق المتطلبات التنظيمية. وتؤكد معطيات بنك المغرب وتقييمات صندوق النقد الدولي قدرة المؤسسات البنكية على امتصاص الصدمات ومواصلة تمويل الاقتصاد، رغم استمرار بعض المخاطر المرتبطة بالقروض المتعثرة وتركيز الالتزامات الائتمانية، وهو ما يستدعي مواصلة اليقظة وتعزيز آليات الرقابة الاحترازية.
تعكس المؤشرات الاحترازية متانة القطاع البنكي المغربي. ووفقاً للجنة التنسيق ومراقبة المخاطر النظامية، التي اجتمعت في 7 يوليوز 2025 بمقر بنك المغرب، بلغ متوسط نسبة الأموال الذاتية الأساسية للبنوك 13.5% خلال سنة 2024، فيما وصلت نسبة الملاءة الإجمالية إلى 16.2% على أساس الحسابات الاجتماعية. وعلى أساس الحسابات المجمعة، بلغت النسبتان على التوالي 12.3% و14.1%. وتؤكد هذه المستويات قدرة المؤسسات البنكية على مواجهة الخسائر المحتملة مع احترام المتطلبات التنظيمية المعمول بها.
ويعزز صندوق النقد الدولي هذا التقييم من خلال تحليلاته المتعلقة بالاقتصاد المغربي. إذ يشير إلى أن البنوك المغربية تتمتع بمستويات كافية من الرسملة والسيولة، وأن المخاطر النظامية تظل محدودة، فيما تؤكد اختبارات الضغط الدورية التي يجريها بنك المغرب قدرة النظام البنكي على تحمل صدمات اقتصادية ومالية حادة. ومع ذلك، يشدد الصندوق على أهمية مواصلة تعزيز مرونة القطاع في مواجهة المخاطر المستجدة.
ويحتل القطاع البنكي مكانة محورية في الاقتصاد المغربي، بالنظر إلى دوره في تعبئة الادخار وتمويل الاستثمارات وتوزيع القروض وتدبير عمليات الأداء. وتشكل قدرته على ضمان استمرارية هذه الوظائف، في ظل تقلبات الظرفية الاقتصادية، أحد المرتكزات الأساسية للاستقرار المالي واستدامة تمويل المقاولات والأسر.
تحسن الربحية في مواجهة مخاطر القروض
تساهم الربحية بدورها في تعزيز القاعدة المالية للمؤسسات البنكية. ووفقاً لمعطيات لجنة التنسيق ومراقبة المخاطر النظامية، ارتفعت النتيجة الصافية للبنوك، على أساس الحسابات الاجتماعية، بنسبة 24% خلال سنة 2024. كما بلغ العائد على الأصول 0.9%، فيما استقر العائد على الأموال الذاتية عند 9.5%. وتدعم هذه النتائج قدرة المؤسسات البنكية على تعزيز أموالها الذاتية وتحسين قدرتها على امتصاص الخسائر المحتملة.
غير أن جودة محافظ القروض تظل من أبرز المؤشرات التي تستوجب المتابعة. ففي تقريره بشأن المغرب الصادر في أبريل 2025، أشار صندوق النقد الدولي إلى ارتفاع القروض المتعثرة بنسبة 2.5% على أساس سنوي في دجنبر 2024. وبلغت نسبة القروض المتعثرة 10.8% لدى الأسر و12.5% لدى المقاولات الخاصة غير المالية، ما يعكس استمرار صعوبات السداد لدى بعض فئات المقترضين، ولا سيما المقاولات الصغيرة والمتوسطة.
وتقدم المعطيات اللاحقة صورة أكثر إيجابية. ففي تقريره لسنة 2026، أشار صندوق النقد الدولي إلى تراجع المعدل الإجمالي للقروض المتعثرة إلى 8% في دجنبر 2025، مقابل 8.4% قبل سنة. ويُعزى هذا التطور، جزئياً، إلى توسع حجم القروض. كما بلغت نسبة تغطية القروض المتعثرة بالمخصصات 68%، بما يعكس وجود احتياطيات لتغطية جزء من الخسائر المحتملة. ومع ذلك، فإن تراجع المعدل الإجمالي لا يعني اختفاء المخاطر المرتبطة ببعض المقترضين أو القطاعات الاقتصادية.
وتكتسي متانة القطاع البنكي أهمية مباشرة بالنسبة إلى تمويل الاقتصاد الإنتاجي. فالمقاولات تحتاج إلى الموارد المالية لإنجاز الاستثمارات وتجديد المعدات وتوسيع القدرات الإنتاجية وتمويل العمليات التجارية. كما تعتمد الأسر على المؤسسات البنكية للحصول على القروض العقارية والاستفادة من مختلف الخدمات المالية.
وبالتالي، تشكل قوة البنوك عاملاً مساعداً على تمويل النمو الاقتصادي، لكنها لا تضمن تلقائياً تسهيل الولوج إلى القروض. إذ تظل شروط التمويل مرتبطة بالوضعية المالية للمقترضين، وجودة الضمانات، ومستوى المخاطر الذي تحدده المؤسسات البنكية.
اليقظة المستمرة لمواجهة المخاطر المالية
لا تعني متانة النظام البنكي غياب مواطن الضعف. فقد نبه صندوق النقد الدولي إلى المخاطر المرتبطة بتركيز بعض الالتزامات الائتمانية، في ظل الأهمية النسبية للتعرضات تجاه الشركات الكبرى والقطاع العام. ويظل تعزيز مراقبة هذه الالتزامات ضرورياً للحد من تداعيات أي تدهور محتمل في الظرفية الاقتصادية.
وتشكل إدارة السيولة بدورها أحد المحاور الأساسية للاستقرار البنكي. إذ يتعين على المؤسسات المالية الوفاء بالتزاماتها، والاستجابة لاحتياجات زبنائها، وضمان استمرارية أنشطتها حتى في فترات تشدد شروط التمويل. كما تساهم متطلبات الاحتراز والرقابة البنكية وآليات المراقبة الداخلية في رصد مواطن الهشاشة والحفاظ على ثقة المودعين والمستثمرين.
ويتمثل التحدي الأساسي في الحفاظ على التوازن بين الحيطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي المنتج. وبالنسبة إلى المغرب، تشكل مرونة القطاع البنكي رافعة مهمة لمواكبة الاستثمارات ودعم المقاولات وصون الثقة في النظام المالي. غير أن تعزيز هذه المكتسبات يظل رهيناً بالتحكم المستدام في مخاطر الائتمان، وتحسين جودة الأصول، وقدرة المؤسسات البنكية على التكيف مع التحولات الاقتصادية والمالية.


