يشهد قطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني بالمغرب دينامية متجددة تعكس تحولا نوعيا في مقاربة التكوين والإدماج المهني والتأطير الاقتصادي، في سياق يتسم بتزايد الاهتمام بتأهيل الرأسمال البشري وتعزيز قابلية التشغيل.
وفي هذا الإطار، تتجه السياسات العمومية نحو إرساء منظومة متكاملة تقوم على الجمع بين التكوين التطبيقي داخل الوحدات الإنتاجية، وتشجيع التشغيل الذاتي، وهيكلة النسيج الحرفي، بما يواكب متطلبات التنمية المستدامة.
كما ترتكز هذه الدينامية على اعتماد آليات حديثة للاعتراف المهني وتثمين الحرف، من أبرزها البطاقة المهنية، التي تواكب التحولات الاقتصادية وتضمن استمرارية المهن التقليدية ونقلها إلى الأجيال الصاعدة، في انسجام مع رهانات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
وفي سياق دعم هذا التوجه، أطلقت كتابة الدولة المكلفة بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني برنامج التكوين بالتدرج المهني، الذي يهم الحرف الفنية والإنتاجية والخدماتية المرتبطة بالقطاع.
ويهدف هذا البرنامج المجاني إلى تسهيل إدماج الشباب، الذين تتجاوز أعمارهم 15 سنة، في سوق الشغل، عبر تمكينهم من مهارات عملية داخل المقاولات الحرفية، وتشجيع روح المبادرة والتشغيل الذاتي، إلى جانب الحفاظ على الحرف المهددة بالاندثار.
ويعتمد نظام التكوين على المزج بين الجانب التطبيقي والنظري، وفق مقاربة التعلم بالممارسة، حيث يقضي المتدرب ما لا يقل عن 80 في المائة من مدة التكوين داخل المقاولة الحرفية، مقابل استكمال التكوين النظري داخل مراكز التكوين، ضمن شبكة تضم عشرات المؤسسات بطاقة استيعابية مهمة.
ويوفر هذا المسار ثلاث مستويات من الشهادات، تشمل شهادة التدرج المهني، ودبلوم التخصص المهني، ثم دبلوم التأهيل المهني، في مجالات متعددة مثل الجلد والخشب والمعادن والنسيج والحلاقة والتجميل وإصلاح المركبات وترميم التراث المعماري، وغيرها من الحرف. كما يتيح نظاما مرنا للترقي عبر ما يسمى بالممرات، بما يمكن المتدربين من مواصلة مسارهم داخل نفس الحرفة.
وفي موازاة ذلك، يشكل اعتماد البطاقة المهنية للصانع التقليدي خطوة أساسية في مسار تحديث القطاع، حيث تتيح هذه الآلية الاعتراف الرسمي بالحرفيين وتمكينهم من الاندماج في النسيج الاقتصادي المنظم.
وتندرج هذه المبادرة ضمن توجه يروم رقمنة الخدمات وتوسيع الاستفادة من برامج الدعم والمواكبة، بما يعزز مساهمة القطاع في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد تم إطلاق عملية توزيع هذه البطاقة بمدينة أكادير، تزامنا مع تنظيم الجائزة الوطنية لأمهر الصناع، حيث تجاوز عدد البطاقات التي دخلت مرحلة الإصدار 300 ألف بطاقة، ما يعكس الإقبال المتزايد على هذه الآلية الجديدة.
وتعد البطاقة المهنية وثيقة رقمية آمنة، ترتبط بالسجل الوطني للصناعة التقليدية، وتتضمن معطيات دقيقة حول هوية الصانع ونشاطه المهني، إلى جانب رقم تعريفي خاص، بما يتيح التحقق الفوري من صحتها.
كما تتيح لحاملها الاستفادة من برامج التكوين والدعم، والمشاركة في المعارض، وتبسيط المساطر الإدارية، إضافة إلى الولوج إلى خدمات الحماية الاجتماعية وعروض تفضيلية توفرها مؤسسات شريكة.
وبذلك، تساهم هذه المبادرات في تعزيز إدماج الصناع التقليديين ضمن الاقتصاد المنظم، وتثمين المهن الحرفية، وضمان استدامتها في ظل التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة.





