بعد ترسيخ موقعه في أوروبا، يمتلك المغرب اليوم رافعة نمو جديدة تتمثل في إفريقيا. فتنمية قدراته الصناعية، وتوسع حضور شركاته في القارة، والقرب الجغرافي والثقافي، إلى جانب تسارع الاندماج الاقتصادي الإفريقي، تهيئ الظروف لمرحلة جديدة من تطور «صنع في المغرب». ولم يعد التحدي يقتصر على التصدير إلى إفريقيا، بل أصبح يتمثل في بناء سلاسل قيمة وأسواق ومنظومات اقتصادية مستدامة داخل القارة.
يؤكد النصف الأول من سنة 2026 حقيقة واضحة: المغرب ينتقل إلى مرحلة جديدة على مستوى التصدير. فقد بلغت مبيعات السلع المغربية إلى الخارج 260.39 مليار درهم إلى نهاية يونيو 2026، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 9.7% على أساس سنوي. ويعود هذا النمو، بالدرجة الأولى، إلى صعود الصناعات التحويلية. فقد أصبحت صناعة السيارات المحرك الرئيسي للصادرات، بإيرادات بلغت 93.65 مليار درهم، بزيادة قدرها 17.4%، فيما سجل قطاع الطيران نمواً بنسبة 19.3%.
ويغير هذا التحول الصناعي أيضاً طبيعة الإمكانات المتاحة للمغرب في السوق الإفريقية. فلم يعد العرض المغربي يعتمد فقط على الفوسفاط والأسمدة والمنتجات الفلاحية والغذائية. فقد أصبح للمملكة قاعدة صناعية قادرة على إنتاج وتصدير السيارات ومكوناتها، والأسلاك الكهربائية، والتجهيزات الكهربائية، والمنتجات الموجهة لصناعة الطيران، والحلول الرقمية، والمنتجات الصيدلانية، ومواد البناء والسلع الصناعية. وبذلك أصبحت إفريقيا سوقاً طبيعية للجيل الجديد من «صنع في المغرب».
سوق إفريقية تدخل مرحلة جديدة
تكشف أرقام التجارة بين المغرب وإفريقيا بالفعل عن أهمية هذه العلاقة. ووفق معطيات تقرير African Trade Heatmaps 2026 الصادر عن أفريكسيم بنك، بلغت المبادلات التجارية بين المغرب والدول الإفريقية 9.5 مليار دولار سنة 2025. وبلغت الصادرات المغربية نحو القارة حوالي 6.2 مليار دولار، مقابل واردات بقيمة 3.4 مليار دولار، أي بفائض تجاري مغربي قدره 2.8 مليار دولار.
وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تؤكد أن إفريقيا أصبحت بالفعل سوقاً مربحة للمغرب. لكنها تكشف في الوقت نفسه أن الإمكانات لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي. فالتجارة البينية الإفريقية ما تزال محدودة مقارنة بحجم القارة واحتياجاتها. كما يؤكد أفريكسيم بنك أن التجارة الإفريقية تتوفر على إمكانات كبيرة للنمو، رغم العقبات المرتبطة بتمويل التجارة واللوجستيك وتكامل الأسواق.
وبالنسبة للمغرب، تمثل هذه الوضعية فرصة استراتيجية. فالتصنيع التدريجي للاقتصادات الإفريقية يولد طلباً متزايداً على الآلات والتجهيزات والمكونات والمواد والحلول الطاقية والمنتجات الغذائية المصنعة والأدوية والخدمات المالية والتكنولوجيات. وجزء مهم من هذا الطلب يمكن تلبيته انطلاقاً من المغرب.
السيارات: قاطرة جديدة
تجسد صناعة السيارات، أكثر من أي قطاع آخر، التحول الذي يشهده «صنع في المغرب». فمع صادرات قاربت 94 مليار درهم خلال النصف الأول من 2026، أصبح القطاع يتوفر اليوم على منظومة صناعية أكثر تطوراً بكثير مما كانت عليه قبل عقد من الزمن.
وأصبح المغرب ينتج السيارات ومجموعة واسعة من مكوناتها. وتفتح هذه القاعدة الصناعية العميقة إمكانية مهمة تتمثل في جعل إفريقيا سوق نمو مكملة للسوق الأوروبية.
ومن المتوقع أن يرتفع الطلب الإفريقي على السيارات مع التوسع الحضري، وارتفاع الدخول، وتطور البنيات التحتية الطرقية، وبروز طبقات متوسطة جديدة. وبالنسبة للمصنعين المغاربة، يمكن للقارة أن تمثل ليس فقط سوقاً للسيارات، وإنما أيضاً لسلاسل قطع الغيار والبطاريات والمكونات الكهربائية والإطارات وتجهيزات ورشات الصيانة والخدمات المرتبطة بها.
ويمكن أن تمتد هذه الدينامية تدريجياً إلى السيارات الكهربائية وأنماط التنقل الجديدة، وهي مجالات توفر فيها إقامة قاعدة صناعية مغربية آفاقاً إضافية.
من الأسمدة إلى الصناعات الغذائية: تصدير قيمة أكبر
تمثل إفريقيا أيضاً سوقاً طبيعية للمنتجات المرتبطة بالقطاع الفلاحي. وقد ساهم الدور الذي تضطلع به مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط في المبادلات مع القارة في ترسيخ موقع المغرب كشريك رئيسي في مجال الأسمدة وتغذية التربة.
لكن التحدي اليوم يتمثل في الذهاب أبعد من ذلك. فالمغرب قادر على تصدير ليس فقط المدخلات الفلاحية، وإنما أيضاً تقنيات الري، والتجهيزات الفلاحية، وحلول التخزين، وسلاسل التبريد، والمنتجات الغذائية المصنعة والخبرات الصناعية.
ومن شأن هذا التوجه أن يسمح بالانتقال من منطق تصدير المنتجات فقط إلى منطق الحلول المتكاملة، التي تحقق قيمة مضافة أكبر وتكون أكثر قدرة على مواجهة المنافسة.
إفريقيا امتداد للمنصة الصناعية المغربية
تتمثل إحدى أبرز نقاط قوة المغرب في موقعه الجغرافي. فالمملكة مرتبطة بأوروبا وإفريقيا الغربية وبأهم الطرق البحرية الدولية. ويشكل هذا الموقع ميزة مهمة بالنسبة للشركات التي ترغب في خدمة عدة أسواق انطلاقاً من قاعدة صناعية واحدة.
غير أن القدرة التنافسية اللوجستية وحدها لا تكفي. فقد بنى المغرب خلال السنوات الأخيرة حضوراً اقتصادياً ومالياً مهماً في القارة. وطورت بنوكه وشركات الاتصالات والمجموعات الصناعية والمشغلون في قطاع الموانئ وشركات الخدمات شبكات واسعة في عدد من الاقتصادات الإفريقية.
ويشكل هذا الحضور ميزة حاسمة بالنسبة للمصدرين. فالشركة المغربية الراغبة في دخول سوق إفريقية يمكنها الاستفادة من بيئة قائمة على شركاء ماليين وتجاريين ولوجستيين مغاربة.
ويؤدي هذا الحضور إلى خلق أثر منظومي متكامل: البنك يوفر التمويل، واللوجستيك يسهل النقل، والشركة الصناعية توفر المنتج، والشبكات التجارية تسهل توزيعه.
منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية قد تغير قواعد اللعبة
هناك عامل آخر حاسم يتمثل في منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (ZLECAF). ورغم أن اندماجها لا يزال تدريجياً واستمرار وجود عدد من العقبات، فإن منطقها الأساسي استراتيجي، ويتمثل في إنشاء سوق قارية أكثر تكاملاً بشكل تدريجي.
وبالنسبة للشركات المغربية، تبدو الفائدة واضحة. فسوق إفريقية أكثر اندماجاً يمكن أن تتيح للمصنعين التفكير ليس بمنطق كل بلد على حدة، وإنما بمنطق منصات إقليمية.
وبذلك يمكن لمنتج مصنع في المغرب أن يتم تسويقه في غرب إفريقيا ثم توسيع نطاقه تدريجياً إلى أسواق أخرى، شريطة التحكم الجيد في مسائل قواعد المنشأ والمصادقة والضرائب والتمويل واللوجستيك.
ولذلك، لم يعد من المناسب النظر إلى إفريقيا باعتبارها مجموعة من الأسواق الصغيرة والمعزولة. بل ينبغي التعامل معها باعتبارها مجموعة من الأقطاب الكبرى للاستهلاك والإنتاج المترابطة فيما بينها.
التحدي المقبل: تمكين المقاولات الصغرى والمتوسطة من التصدير
غير أن الحد الحقيقي لنموذج المغرب يكمن في المقاولات الصغرى والمتوسطة. فالمجموعات الكبرى تتوفر بالفعل على الموارد المالية والبشرية والتجارية اللازمة لغزو الأسواق الإفريقية. أما بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة، فإن المعادلة أكثر تعقيداً.
فالحصول على المعلومات، وتحديد الموزعين، وفهم القوانين، وتأمين عمليات الأداء، وتمويل المخزونات، وضمان النقل، وبناء العلامة التجارية، كلها تمثل حواجز أمام دخول الأسواق.
وهنا بالضبط يمكن لآليات الدعم العمومي للتصدير، ولا سيما تلك التي توفرها الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات والصادرات (AMDIE)، أن تلعب دوراً حاسماً. وينبغي أن يتمثل الهدف في تحويل عدد أكبر من المقاولات الصناعية الصغرى والمتوسطة إلى مصدّرين منتظمين، وليس فقط إلى شركات تشارك بشكل عرضي في المعارض أو البعثات التجارية.
التصدير، ولكن قبل كل شيء خلق القيمة
لا ينبغي اختزال المسألة الإفريقية في البحث عن أسواق جديدة فقط. فهي تطرح سؤالاً أكثر جوهرية: ما هي القيمة التي يريد المغرب الاحتفاظ بها داخل صادراته؟
وتظهر تطورات التجارة الخارجية خلال النصف الأول من 2026 أن الصادرات المغربية تنمو بسرعة، لكن الواردات ترتفع بوتيرة أكبر. فقد بلغت واردات السلع 458.8 مليار درهم إلى نهاية يونيو، بزيادة قدرها 15.3%، ليرتفع العجز التجاري إلى 198.4 مليار درهم.
وبالتالي، يتمثل التحدي الحقيقي في تعزيز المحتوى المحلي للمنتجات المصدرة. فكلما تمكن المغرب من تصنيع مكوناته محلياً، وتطوير مورديه، والتحكم في التكنولوجيا، والارتقاء إلى قطاعات ذات قيمة مضافة أعلى، ارتفعت القيمة التي يحققها كل درهم مصدر للاقتصاد الوطني.
ويمكن لإفريقيا أن تساهم تحديداً في هذه المعادلة من خلال توفير أسواق كبيرة بما يكفي لتمكين الصناعيين المغاربة من زيادة أحجام الإنتاج، واسترداد استثماراتهم، وتطوير منتجات جديدة.
القارة، مختبر «صنع في المغرب» للمستقبل
يمكن لإفريقيا بذلك أن تتحول إلى أكثر من مجرد سوق لتصريف المنتجات. فهي قادرة على أن تصبح مختبراً للجيل المقبل من الصناعة المغربية.
السيارات، والطيران، والصناعات الغذائية، والأدوية، ومواد البناء، والكهرباء، والطاقات المتجددة، والتجهيزات الفلاحية، والمالية، واللوجستيك، والتكنولوجيات الرقمية: كلها مجالات تتوفر فيها المملكة اليوم على خبرات وقدرات قابلة للتصدير.
وتزداد أهمية هذا الإمكان بالنظر إلى أن إفريقيا نفسها تشهد تحولاً اقتصادياً عميقاً. فالتوسع الحضري، والنمو الديموغرافي، وتطوير البنيات التحتية، والرقمنة، والانتقال الطاقي، وارتفاع الاحتياجات الغذائية، ستولد خلال العقود المقبلة طلباً كبيراً.
وبالنسبة للمغرب، فإن الظرفية تبدو مواتية بشكل خاص.
فالنصف الأول من سنة 2026 يقدم دليلاً واضحاً: المغرب أصبح يعرف كيف ينتج للأسواق الدولية. والخطوة المقبلة تتمثل في جعل إفريقيا واحدة من أهم أسواق نمو هذه الصناعة.
ويمتلك «صنع في المغرب» اليوم ثلاث مزايا متكاملة: قاعدة صناعية تنافسية، وقرباً جغرافياً من القارة، وشبكة اقتصادية إفريقية راسخة. وإذا تم تنسيق هذه الأبعاد الثلاثة بشكل أفضل، يمكن لإفريقيا أن تصبح ليس فقط المحرك الكبير المقبل لنمو الصادرات المغربية، وإنما أيضاً أحد محركات المرحلة المقبلة من التصنيع في المملكة.
لم يعد الطموح يقتصر على تصدير المنتجات المغربية إلى إفريقيا، بل يتمثل في جعل «صنع في المغرب» مرجعاً صناعياً على مستوى القارة الإفريقية.



