تواصل المنظومة البنكية والمالية المغربية مسار تحديث بنياتها التحتية الاستراتيجية، في إطار توجه يرمي إلى تعزيز أمن المعاملات المالية وتحسين كفاءة أنظمة الأداء والتسوية، بما يواكب التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي على المستويين الوطني والدولي. ويبرز التقرير السنوي لبنك المغرب حول البنيات التحتية للأسواق المالية ووسائل الأداء أهمية الإصلاحات التقنية والتنظيمية المنجزة خلال سنة 2025، خصوصاً في ما يتعلق بتعزيز قدرة الأنظمة على مواجهة المخاطر التشغيلية وضمان استمرارية الخدمات المالية.
وتشير نتائج أعمال المراقبة التي أنجزها البنك المركزي إلى استمرار متانة البنيات التحتية للأسواق المالية وتحسن تدريجي في مستوى التحكم في المخاطر المرتبطة بتشغيلها. ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة في ظل التوسع المتواصل للمعاملات الإلكترونية وتزايد اعتماد المؤسسات البنكية والمقاولات والأفراد على الحلول الرقمية في تنفيذ عمليات الأداء والتحويلات المالية.
وتفرض هذه التحولات على الفاعلين الماليين متطلبات متزايدة تتعلق بحماية المعطيات وضمان جاهزية الأنظمة وتعزيز قدراتها على التصدي للهجمات الإلكترونية والاضطرابات التقنية المحتملة. كما أصبحت استمرارية الخدمات المالية عاملاً حاسماً في الحفاظ على الثقة بين المؤسسات البنكية وزبنائها، خصوصاً مع ارتفاع أهمية المعاملات الفورية والعمليات المنجزة عبر القنوات الرقمية.
ومن أبرز التطورات التي شهدتها سنة 2025 دخول نسخة جديدة من النظام المغربي للتسويات الإجمالية حيز التشغيل، في خطوة تهدف إلى تحديث إحدى البنيات الأساسية لمعالجة المعاملات المالية بين المؤسسات. ويعتمد هذا النظام على المعيار الدولي «آيزو 20022»، الذي يتيح توحيد الرسائل والمعلومات المالية وتحسين جودة البيانات المتبادلة بين مختلف المتدخلين.
ومن شأن اعتماد هذا المعيار أن يعزز فعالية عمليات التسوية بالعملة المركزية ويرفع مستوى الدقة والشفافية في معالجة المعاملات، فضلاً عن تسهيل التوافق التقني بين الأنظمة المالية. ويعكس هذا التحديث حرص بنك المغرب على ملاءمة البنية التحتية الوطنية مع المعايير الدولية المعتمدة في مجال أنظمة الأداء والتسوية، بما يدعم موثوقية المعاملات ويحد من المخاطر التشغيلية.
الأمن السيبراني واستمرارية الخدمات في صلب رهانات الاستقرار المالي
أصبح الأمن السيبراني أحد المرتكزات الرئيسية للاستقرار المالي في ظل التحول المتزايد نحو الاقتصاد الرقمي، حيث لم تعد المخاطر التي تواجه المؤسسات البنكية مقتصرة على الجوانب الائتمانية والسيولة والأسواق، بل امتدت لتشمل التهديدات المعلوماتية واحتمالات تعطل الأنظمة واختراق البيانات الحساسة. وفي هذا السياق، يشكل التحسن الذي رصده بنك المغرب في مستوى الصمود السيبراني للبنيات التحتية المالية مؤشراً إيجابياً على تطور قدرات المنظومة الوطنية في مجال الوقاية والاستجابة للمخاطر التكنولوجية.
غير أن هذا التقدم لا يلغي الحاجة إلى مواصلة الاستثمار في تحديث وسائل الحماية وتطوير أنظمة المراقبة والإنذار المبكر وتعزيز خطط استمرارية النشاط. فالتوسع في الخدمات الرقمية يرفع في الوقت نفسه حجم التعرض لمحاولات الاحتيال والهجمات المعلوماتية، ما يفرض اعتماد مقاربة استباقية تجمع بين التكنولوجيا والرقابة والتكوين المستمر للموارد البشرية.
وبالنسبة إلى المقاولات المغربية، تمثل موثوقية البنيات التحتية للأداء عاملاً اقتصادياً مباشراً، بالنظر إلى دورها في تسهيل المبادلات التجارية وتسريع تسوية الالتزامات المالية وتحسين تدبير السيولة. كما تساهم كفاءة أنظمة الأداء في تقليص بعض التكاليف المرتبطة بالمعاملات وتعزيز انسيابية التدفقات المالية بين الموردين والموزعين والمؤسسات البنكية.
ويمكن لتحديث هذه البنيات أن يفتح المجال أمام تطوير خدمات مالية مبتكرة وتوسيع مشاركة مقدمي خدمات الأداء والحلول التكنولوجية المالية، بما يعزز المنافسة ويشجع الابتكار داخل السوق الوطنية. غير أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرتبطاً بقدرة المنظومة على ضمان التشغيل البيني بين مختلف الأنظمة وتوفير شروط عادلة وآمنة للولوج إلى الخدمات الرقمية.
وتبرز في هذا الإطار أهمية الشمول المالي باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات التحول الرقمي، إذ لا يكفي تطوير أنظمة متقدمة تقنياً دون ضمان استفادة فئات أوسع من المواطنين والمقاولات، خصوصاً المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تحتاج إلى وسائل أداء مرنة وموثوقة وبتكاليف مناسبة.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن يساهم تعزيز أمن البنيات التحتية المالية في دعم جاذبية المغرب للاستثمارات وتحسين مناخ الأعمال، من خلال توفير منظومة أداء قادرة على مواكبة توسع الأنشطة الاقتصادية والتجارية والمالية. كما يشكل تطوير المعايير التقنية والرقابية خطوة ضرورية لتعزيز اندماج السوق المالية المغربية في البيئة المالية الدولية.
ويؤكد التقرير السنوي لبنك المغرب أن تحديث أنظمة الأداء لم يعد مجرد مشروع تقني يخص المؤسسات البنكية، بل أصبح ورشاً اقتصادياً استراتيجياً يرتبط بالأمن المالي والسيادة الرقمية وتنافسية المقاولات. ويتمثل التحدي المقبل في تحويل التقدم التكنولوجي إلى منظومة مالية أكثر أمناً وشمولاً وكفاءة، قادرة على مواكبة التحولات الاقتصادية وتعزيز الثقة في المعاملات الرقمية، بما يجعل البنيات التحتية للأداء رافعة أساسية لتطوير الاقتصاد الرقمي المغربي وترسيخ استقراره المالي.


