أحدث المقالات

GMT+1 في المغرب.. جدل مستمر بين منطق التنافسية وكلفة الحياة اليومية

منذ اعتماده بشكل شبه دائم سنة 2018، لا يزال توقيت GMT+1 يثير جدلاً واسعاً في المغرب، فبينما تبرز الحكومة مكاسب طاقية واقتصادية وتنظيمية، تشير دراسات حديثة واستطلاعات رأي وموجة احتجاج متجددة إلى كلفة اجتماعية واضحة، خصوصاً على مستوى النوم والتنقلات الصباحية وإيقاع الحياة اليومية. وفي العمق، لم يعد النقاش يقتصر على مسألة التوقيت، بل أصبح مرتبطاً بالمفاضلة بين متطلبات التنافسية وجودة العيش.

ومنذ 28 أكتوبر 2018، اعتمد المغرب GMT+1 كتوقيت قانوني مرجعي، مع تعليقه مؤقتاً خلال شهر رمضان.

وتوضح وزارة إصلاح الإدارة أن هذا القرار جاء بعد تقييم امتد بين 2013 و2018، في ظل تغييرات متكررة في الساعة اعتُبرت مصدراً للارتباك، ويستند الطرح الرسمي إلى فكرة الاستقرار الزمني، الذي من شأنه تقليص آثار التحولات المتكررة وتحسين تنظيم الحياة اليومية.

ويعزز هذا التوجه بمنطق اقتصادي أوسع، إذ تشير الحكومة إلى أن إضافة ساعة من الضوء في نهاية اليوم تساهم في تقليص استهلاك الطاقة الأحفورية وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إلى جانب دعم الاستهلاك الداخلي وتحسين التوافق الزمني مع الشركاء الاقتصاديين، خاصة في قطاعات الخدمات والتعهيد والتبادلات الدولية.

وتستند هذه الرؤية إلى معطيات دراسة أثر نُشرت سنة 2019، والتي أشارت إلى تحقيق وفورات في استهلاك الكهرباء خلال فصل الشتاء، وتراجع في استهلاك الوقود، وانخفاض في الانبعاثات الكربونية، مع تسجيل عدم تأثير ملحوظ على الأداء الدراسي. ووفق هذا المنظور، يتحول التوقيت القانوني من مجرد إجراء إداري إلى أداة للتنسيق الاقتصادي وتعزيز الفعالية الجماعية.

غير أن هذه المبررات لم تعد كافية لإنهاء الجدل، إذ يرى عدد من المحللين أن الدراسة المذكورة لم تغطّ بشكل دقيق تأثير التوقيت على ظروف العمل وجودة الخدمات العمومية، كما لم تعكس بشكل كافٍ أثره على الحياة اليومية للمواطنين.

ومع مرور الوقت، انتقل النقاش من مسألة تغيير الساعة إلى مسألة أعمق تتعلق بمدى توافق التوقيت الرسمي مع الإيقاع الفعلي للحياة.

وفي هذا السياق، عادت الكلفة الاجتماعية إلى الواجهة، خاصة في ما يتعلق بقصر مدة النوم، والتنقل في الظلام خلال الصباح، وصعوبات التركيز لدى التلاميذ، واضطراب جداول العمل.

وتشير تحليلات حديثة إلى أن هذه التأثيرات يمكن قياسها، في مقابل فوائد اقتصادية يُعتقد أنها تهم بالأساس قطاعات محددة مثل الأنشطة الموجهة للتصدير أو خدمات الأوفشورينغ.

ويعكس هذا الطرح أيضاً ما يعبّر عنه عدد كبير من الأسر المغربية، خصوصاً بعد العودة إلى GMT+1 عقب شهر رمضان، حيث تتجدد الصعوبات المرتبطة بالتأقلم مع التوقيت، ما يدفع بعض المراقبين إلى وصف الوضع بـ”اضطراب زمني دائم”.

وتؤكد معطيات الرأي العام استمرار هذا التحفظ، إذ تُظهر استطلاعات حديثة أن نسبة مهمة من المغاربة لا تؤيد هذا التوقيت، وتعتبر أن تأثيره على الحياة اليومية سلبي، خاصة لدى الفئات الحضرية والنشيطة مهنياً. وهو ما يدل على أن النقاش يتجاوز مجرد جدل موسمي ليعكس موقفاً مجتمعياً أعمق.

وقد عاد هذا الجدل إلى الواجهة مع الرجوع إلى GMT+1 بعد رمضان، حيث شهدت حملة المطالبة بالعودة إلى التوقيت القانوني زخماً جديداً، مدعومة بعريضة إلكترونية حصدت عدداً كبيراً من التوقيعات. ويكشف هذا التفاعل أن الاعتراض لم يتراجع بمرور الوقت، بل أصبح أكثر تنظيماً وارتكازاً على اعتبارات صحية واجتماعية.

ويبرز هذا النقاش الموسمي، الذي يتكرر كل عام، أن فترة العمل بتوقيت غرينيتش خلال رمضان تتحول إلى اختبار واقعي للمقارنة بين نمطين من العيش، ما يعيد طرح السؤال نفسه في كل مرة حول جدوى المكاسب الاقتصادية مقارنة بالكلفة اليومية التي يتحملها جزء من المجتمع.

في النهاية، يتجاوز هذا الجدل البعد التقني ليطرح إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة الزمن الرسمي بإيقاع الحياة الفعلية. فبين منطق التنظيم الاقتصادي الذي تدافع عنه السلطات، ومنطق الزمن المعيش الذي تعكسه مواقف المواطنين، يستمر النقاش مفتوحاً، ما يجعل ملف GMT+1 مرشحاً للبقاء في صلب الجدل العمومي في المغرب.

قد يعجبك ايضا