أحدث المقالات

صناعة النسيج بالمغرب: استثمارات بقيمة 2.3 مليار درهم و7 آلاف منصب شغل مرتقب

يواصل قطاع النسيج والألبسة بالمغرب تحوله الصناعي من خلال مشاريع استثمارية تبلغ قيمتها 2.3 مليار درهم، مع توقعات بإحداث نحو 7 آلاف منصب شغل. وتعكس هذه الدينامية طموح المملكة إلى تعزيز تنافسيتها الصناعية، وترسيخ موقعها لدى الشركات العالمية الكبرى، وتحويل علامة «صنع في المغرب» إلى مرجع أساسي ضمن سلاسل القيمة الدولية لصناعة النسيج والألبسة.

يشكل قطاع النسيج والألبسة أحد الأعمدة التاريخية للصناعة التحويلية المغربية، مستفيداً من قرب المملكة من الأسواق الأوروبية، وتراكم الخبرات الصناعية، وتوفر منظومة متنوعة من المقاولات المتخصصة في الإنتاج والمناولة. ويسعى القطاع اليوم إلى الانتقال نحو مرحلة جديدة ترتكز على رفع القيمة المضافة وتعزيز الاندماج الصناعي المحلي.

ومن شأن الاستثمارات المعلنة، التي تصل قيمتها إلى 2.3 مليار درهم، أن تساهم في تحديث المنظومة الإنتاجية الوطنية وإحداث نحو 7 آلاف فرصة عمل، رهناً بالتنفيذ الفعلي للمشاريع المعنية. ولا تقتصر أهمية هذه الاستثمارات على حجم التمويلات المرصودة، بل تمتد إلى قدرتها على تعزيز موقع المغرب ضمن خريطة الإنتاج الصناعي العالمي.

وتبرز في هذا السياق أهمية الانتقال نحو صناعة نسيج أكثر اندماجاً وابتكاراً وتنافسية، من خلال تطوير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية، وتحديث المعدات الصناعية، واعتماد تقنيات الأتمتة، وتحسين النجاعة الطاقية داخل الوحدات الإنتاجية.

كما يشكل توجه الشركات الدولية نحو تقريب مواقع الإنتاج من الأسواق الاستهلاكية، المعروف بمفهوم «Nearshoring»، فرصة استراتيجية للمغرب. ففي ظل إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، تسعى علامات تجارية أوروبية إلى تقليص المسافات بين مصانعها وأسواقها الرئيسية، وهو ما يمنح المملكة امتيازات جغرافية ولوجستية مهمة لاستقطاب استثمارات صناعية جديدة.

غير أن الاستفادة من هذه التحولات تفرض على المقاولات المغربية الاستجابة لمتطلبات متزايدة تتعلق بتتبع مصادر المواد الأولية، والاستدامة البيئية، واحترام آجال التسليم، وجودة المنتجات. كما أصبح الاستثمار في الكفاءات البشرية والتكنولوجيا الصناعية عاملاً حاسماً في تعزيز القدرة التنافسية للقطاع.

ويشكل رفع نسبة الاندماج المحلي أحد أبرز التحديات المطروحة. فوفق المعطيات المقدمة خلال معرض «Maroc in Mode»، الذي انطلقت فعالياته يوم 3 نونبر 2026 بالدار البيضاء، لا تزال 77% من صادرات النسيج المغربية تعتمد على نموذج الخياطة لفائدة الغير، فيما يتم استيراد نحو 80% من الأقمشة والخيوط المستعملة في الإنتاج.

وتطمح الحكومة إلى تقليص الاعتماد على هذا النموذج تدريجياً إلى 50%، ثم 40% و30%، بما يسمح بتطوير حلقات إنتاجية محلية تشمل الغزل والنسيج والتجهيز والتصميم، بدلاً من التركيز على عمليات الخياطة والتجميع فقط.

ويضم القطاع أكثر من 1700 مقاولة، ويوفر حوالي 240 ألف منصب شغل، محققاً رقم معاملات يصل إلى 66 مليار درهم، منها 44 مليار درهم موجهة للتصدير. كما يمثل نحو 24% من مجموع فرص الشغل الصناعية بالمملكة، مع حضور نسائي لافت تبلغ نسبته 63% من اليد العاملة.

وتعكس الدورة الثالثة والعشرون من معرض «Maroc in Mode»، التي تجمع أكثر من 200 عارض من 25 دولة، إرادة الفاعلين الصناعيين في توسيع الشراكات الدولية واستكشاف أسواق جديدة. كما شهدت هذه التظاهرة إبرام ثلاثة اتفاقيات تعاون مع منظمات مهنية من الهند والأردن والتشيك، بهدف تشجيع الشراكات الصناعية والتجارية وتبادل الخبرات.

وتبرز هذه الدينامية في سياق توجه المغرب نحو بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً، قادرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتطوير سلاسل التوريد المحلية، وتحسين تنافسية الصادرات الوطنية في الأسواق الأوروبية والإفريقية والدولية.

وبالنسبة للمملكة، فإن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على استقطاب الاستثمارات وإحداث فرص الشغل، بل أصبح مرتبطاً بتحويل هذه المشاريع إلى قدرات إنتاجية مستدامة، وتقليص التبعية للمواد الأولية المستوردة، وتوسيع حضور المنتجات المغربية في الأسواق العالمية.

وهكذا، فإن الاستثمارات المرتقبة بقيمة 2.3 مليار درهم وإحداث 7 آلاف منصب شغل لا تمثل مجرد مؤشرات اقتصادية، بل تعكس مرحلة جديدة في مسار تحول صناعة النسيج المغربية من منصة تنافسية للخياطة والمناولة إلى صناعة متكاملة ومبتكرة وموجهة نحو التصدير، قادرة على تعزيز مكانة المملكة ضمن القوى الصناعية الصاعدة في حوض البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا.

قد يعجبك ايضا