أحدث المقالات

قانون المالية 2027: المغرب يطلق إصلاحاً ضريبياً واسعاً ويعزز طموحاته الاستثمارية

يدخل المغرب مرحلة جديدة من التدبير المالي والميزانياتي، تتسم بإصلاح تدريجي للضريبة على الدخل، وتعزيز الاستثمار العمومي، وإقرار تدابير إضافية لدعم الحماية الاجتماعية وتحسين القدرة الشرائية. ويحدد مشروع قانون المالية لسنة 2027، الذي قدمه الوزير المكلف بالاقتصاد والمالية، فوزي لقجع، أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، المداخيل العادية للميزانية العامة في 482,42 مليار درهم، واعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار في 138,03 مليار درهم، إلى جانب إحداث 34 ألفاً و454 منصباً مالياً. وبين تخفيف العبء الضريبي وتحفيز النشاط الاقتصادي والمحافظة على التوازنات المالية، تراهن الحكومة على تحقيق معادلة تجمع بين الطموح التنموي والانضباط الميزانياتي.

يشكل مشروع قانون المالية برسم السنة المالية 2027 محطة مهمة في مسار تطور السياسة الاقتصادية والضريبية بالمملكة، في ظل توجه حكومي نحو مواصلة الإصلاحات الهيكلية والاستجابة للانتظارات الاجتماعية، مع توفير الموارد الضرورية لتمويل الاقتصاد الوطني. ويعكس المشروع رقم 60.26، المقدم أمام البرلمان يوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، رغبة السلطات العمومية في تعزيز فعالية السياسة المالية ومواكبة التحولات الاقتصادية التي يشهدها المغرب، خصوصاً في مجالات التنافسية الصناعية والتشغيل والاستثمار وحماية القدرة الشرائية للأسر.

وتأتي هذه البرمجة الميزانياتية الجديدة في سياق اقتصادي يتسم بتزايد الحاجة إلى تمويل المشاريع الكبرى، وتطوير البنيات التحتية، وتعزيز جاذبية المملكة للاستثمارات الوطنية والأجنبية، بالتوازي مع ارتفاع متطلبات الإنفاق الاجتماعي وضرورة التحكم في مستويات العجز والمديونية. ووفقاً للمعطيات الواردة في المشروع، من المرتقب أن تبلغ المداخيل العادية للميزانية العامة للدولة نحو 482,42 مليار درهم خلال سنة 2027، منها 437,4 مليار درهم من المداخيل الضريبية و45 مليار درهم من المداخيل غير الضريبية. أما النفقات العادية، فيتوقع أن تصل إلى 433,08 مليار درهم، تشمل 195,67 مليار درهم مخصصة لكتلة الأجور، و45,94 مليار درهم لتغطية فوائد وعمولات الدين العمومي.

وتبرز هذه المؤشرات حجم الالتزامات المالية للدولة وأهمية تحسين تعبئة الموارد العمومية، إلى جانب تعزيز نجاعة الإنفاق وضمان توجيهه نحو الأولويات الاقتصادية والاجتماعية الأكثر تأثيراً في النمو والتنمية. ويتصدر إصلاح الضريبة على الدخل أبرز المستجدات التي يحملها مشروع قانون المالية، باعتباره أحد التحولات المرتقبة في النظام الجبائي المطبق على الأجور والمداخيل المهنية. وينص المشروع على رفع الحد السنوي المعفى من الضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم من الدخل الصافي الخاضع للضريبة، ابتداءً من سنة 2027.

ويحدد الجدول الضريبي الانتقالي نسبة 10 في المائة بالنسبة إلى شريحة الدخل السنوي المتراوحة بين 60 ألفاً وواحد و80 ألف درهم، و20 في المائة للشريحة الممتدة من 80 ألفاً وواحد إلى 100 ألف درهم، فيما تطبق نسب هامشية تبلغ 34 و37 في المائة على الشرائح العليا من الدخل. ويندرج هذا الإصلاح ضمن مسار ضريبي متعدد السنوات، يستهدف خفض المعدل الهامشي الأقصى للضريبة على الدخل إلى 30 في المائة في أفق سنة 2031، بما يعكس توجهاً نحو تخفيف الضغط الجبائي وتحسين الدخل المتاح للأسر.

كما يتضمن المشروع رفع نسبة الخصم الجزافي المطبق على المصاريف المهنية إلى 45 في المائة، في حدود سقف سنوي يبلغ 35 ألف درهم، وهي خطوة ترمي إلى تقليص الوعاء الضريبي لبعض فئات الأجراء وتحسين شروط احتساب الضريبة المستحقة. ومن شأن هذه الإجراءات، في حال اعتمادها، أن تساهم في تخفيف العبء الضريبي عن أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، وأن توفر هامشاً إضافياً لدعم الاستهلاك والقدرة الشرائية. غير أن الأثر الفعلي لهذه التدابير سيظل مرتبطاً بمستوى الأجور وطبيعة الخصومات المطبقة والوضعية الجبائية لكل ملزم.

وعلى مستوى المقاولات، يقترح المشروع اعتماد معدل للضريبة على الشركات يبلغ 40 في المائة بالنسبة إلى المؤسسات التي تمارس أنشطة استيراد أو توزيع المحروقات، عندما يصل ربحها الصافي إلى 100 مليون درهم أو يتجاوز هذا المستوى. ويعكس هذا التوجه رغبة في إقرار معاملة ضريبية خاصة لبعض الفاعلين الكبار في القطاع النفطي، في سياق يتزايد فيه النقاش حول مساهمة المقاولات ذات الأرباح المرتفعة في تمويل الميزانية العامة وتعزيز العدالة الجبائية.

الاستثمار والتشغيل والحماية الاجتماعية في صدارة الأولويات الميزانياتية

إلى جانب الإصلاح الضريبي، يكرس مشروع قانون المالية لسنة 2027 الاستثمار العمومي باعتباره إحدى الركائز الأساسية لتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز تنافسية النسيج الإنتاجي الوطني. وفي هذا الإطار، تبلغ اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار ضمن الميزانية العامة نحو 138,03 مليار درهم، تضاف إليها اعتمادات الالتزام الموجهة لتمويل العمليات والمشاريع متعددة السنوات. ومن المنتظر أن تساهم هذه الموارد في مواصلة إنجاز المشاريع الهيكلية الكبرى، خصوصاً في مجالات البنيات التحتية والتجهيزات العمومية والقطاعات الإنتاجية، بما يدعم تحسين مناخ الأعمال ورفع جاذبية المملكة للاستثمارات.

وفي مجال التشغيل وتعزيز الموارد البشرية للإدارة العمومية، ينص المشروع على إحداث 34 ألفاً و454 منصباً مالياً، منها 33 ألفاً و954 منصباً موزعة على مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المعنية. وتعكس هذه البرمجة توجهاً نحو تعزيز قدرات المرافق العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين والمقاولات، مع مراعاة متطلبات التحكم في كتلة الأجور والمحافظة على التوازنات المالية.

وتحتل الحماية الاجتماعية مكانة محورية ضمن التوجهات الميزانياتية الجديدة، حيث يتوقع أن تبلغ نفقات صندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي نحو 40,16 مليار درهم، في إطار مواصلة تمويل البرامج الاجتماعية وتعزيز آليات التضامن. كما خصص المشروع غلافاً مالياً تقديرياً بقيمة 5,72 مليارات درهم لفائدة صندوق التضامن لدعم السكن والسكنى والاندماج الحضري، بما يعكس استمرار الاهتمام بتحسين ظروف الولوج إلى السكن ومواكبة التحولات العمرانية والاجتماعية. وعلى مستوى التنمية الترابية، يرتقب تخصيص 10 مليارات درهم من النفقات لفائدة صندوق التنمية الترابية المندمجة، بهدف دعم البرامج التنموية المحلية وتقليص الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الجهات، وتعزيز فرص الاستفادة المتوازنة من ثمار النمو. وفي مجال تشغيل الشباب، يرصد المشروع نحو 1,99 مليار درهم لفائدة صندوق النهوض بتشغيل الشباب، في خطوة تستهدف دعم المبادرات الرامية إلى تحسين قابلية التشغيل وتشجيع الإدماج الاقتصادي والمهني.

أما القطاع الفلاحي، فمن المرتقب أن يستفيد صندوق التنمية الفلاحية من غلاف مالي يبلغ 4,2 مليارات درهم، لمواكبة الاستثمارات المرتبطة بتطوير الإنتاج وتحسين تنافسية الأنشطة الفلاحية. ويخصص المشروع كذلك 1,02 مليار درهم لتحديث الإدارة العمومية ومواكبة التحول الرقمي، بما ينسجم مع توجه المملكة نحو تبسيط المساطر الإدارية وتحسين جودة الخدمات وتعزيز فعالية المؤسسات. غير أن حجم الالتزامات الميزانياتية يطرح تحديات مرتبطة باستدامة المالية العمومية وقدرة الدولة على تعبئة الموارد الضرورية لتمويل النفقات والاستثمارات المبرمجة.

وتشير تقديرات المشروع إلى أن إجمالي حاجيات التمويل الخام للدولة قد يبلغ نحو 159 مليار درهم، مع الأخذ بعين الاعتبار، على الخصوص، المبالغ المخصصة لسداد أصل الدين العمومي. وهو ما يعني أن اللجوء إلى الاقتراض سيظل أداة مهمة لتغطية الحاجيات التمويلية وضمان استمرارية تنفيذ البرامج العمومية. كما ستتوقف فعالية هذه البرمجة على وتيرة تنفيذ الاستثمارات ومدى قدرة الإدارات والمؤسسات المعنية على تحويل الاعتمادات المرصودة إلى مشاريع فعلية ذات أثر اقتصادي واجتماعي ملموس. وفي هذا الإطار، يجيز المشروع وضع 15 في المائة من اعتمادات الأداء المخصصة للاستثمار ضمن الميزانية العامة في الاحتياطي، بما يوفر هامشاً إضافياً للتدبير المالي في ظل الإكراهات المرتبطة بتطور الموارد والنفقات. وبالنسبة إلى المقاولات، يمكن أن تفتح الإصلاحات الضريبية وبرامج الاستثمار العمومي آفاقاً جديدة للنمو، خصوصاً في قطاعات البناء والأشغال العمومية والصناعة والبنيات التحتية والخدمات، مع إمكانية تحفيز استثمارات القطاع الخاص وتعزيز الطلب على المنتجات والخدمات الوطنية.

غير أن تحقيق هذه النتائج سيظل مشروطاً بتسريع تنفيذ المشاريع، وتحسين نجاعة الصفقات العمومية، وتعزيز مشاركة المقاولات الوطنية، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، في الدينامية الاستثمارية.

ومن منظور اقتصادي أشمل، يعكس مشروع قانون المالية لسنة 2027 توجهاً نحو إعادة صياغة التوازن بين العدالة الجبائية والتنافسية الاقتصادية واستدامة المالية العمومية، من خلال الجمع بين تخفيف العبء الضريبي على الأفراد، وتوسيع الاستثمار العمومي، ومواصلة تمويل برامج الحماية الاجتماعية.  ويمثل الإصلاح التدريجي للضريبة على الدخل إشارة مهمة لفائدة القدرة الشرائية للأسر، فيما تؤكد الاعتمادات المخصصة للاستثمار والتشغيل والتنمية الترابية استمرار الرهان على التحول الاقتصادي وتعزيز أسس النمو المستدام.

ويبقى الامتحان الحقيقي لهذه التوجهات مرتبطاً بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين وأداء المقاولات، وتحويل الموارد المالية المرصودة إلى فرص شغل منتجة واستثمارات ذات قيمة مضافة مرتفعة. ومع انتقال مشروع قانون المالية إلى مرحلة المناقشة البرلمانية، تظل التدابير المقترحة قابلة للتعديل قبل المصادقة النهائية عليها، في انتظار تحديد الصيغة القانونية والمالية التي ستؤطر السياسة الميزانياتية للمملكة خلال سنة 2027.

قد يعجبك ايضا