يشكل تطوير المناطق الصناعية أحد المرتكزات الأساسية لسياسة توطين الاستثمار وتعزيز التنمية الاقتصادية المجالية في المغرب، باعتباره آلية لتوفير فضاءات إنتاجية مجهزة تستجيب لاحتياجات المقاولات وتدعم تنافسيتها. وفي جهة فاس مكناس، تتواصل الجهود الرامية إلى تحسين شروط استقبال المستثمرين وتطوير البنيات التحتية الاقتصادية، بما يسمح بإرساء أنشطة صناعية وخدماتية قادرة على خلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة. ويندرج طلب إبداء الاهتمام الذي أطلقه المركز الجهوي للاستثمار بشأن المنطقة الصناعية ويسلان بمدينة مكناس ضمن هذا التوجه، حيث يستهدف تخصيص وتثمين قطع أرضية مخصصة للتجهيزات، من خلال تعبئة مستثمرين قادرين على المساهمة في تنشيط الموقع وتعزيز مردوديته الاقتصادية.
وتأتي هذه المبادرة في سياق تزايد أهمية العقار الصناعي المجهز باعتباره عاملاً حاسماً في قرارات توطين المشاريع الاستثمارية. فإلى جانب توفر الأراضي، تولي المقاولات اهتماماً متزايداً بجودة البنيات التحتية، والربط بشبكات النقل والطاقة والمياه والاتصالات، فضلاً عن توفر الخدمات المشتركة والمرافق الضرورية لضمان استمرارية الأنشطة الإنتاجية. ومن شأن تحسين هذه الشروط أن يعزز جاذبية المناطق الصناعية ويخفض التكاليف المرتبطة بإحداث المشاريع وتشغيلها.
وتتوفر مدينة مكناس على مؤهلات اقتصادية وجغرافية مهمة، بفضل موقعها داخل جهة فاس مكناس، وقربها من أحواض فلاحية وإنتاجية متنوعة، وتوفرها على رصيد من الكفاءات واليد العاملة. كما يمكن أن يساهم تثمين الفضاءات الصناعية القائمة في تعزيز التكامل بين الصناعات التحويلية والأنشطة الفلاحية والخدمات اللوجستية، وفتح آفاق جديدة أمام المقاولات الصغيرة والمتوسطة الراغبة في تطوير قدراتها الإنتاجية أو توسيع أنشطتها.
وتكتسي عملية تثمين التجهيزات داخل المنطقة الصناعية ويسلان أهمية خاصة، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه المرافق والخدمات المساندة في تحسين البيئة الاستثمارية. فالمناطق الصناعية الحديثة لم تعد مجرد تجمعات للوحدات الإنتاجية، بل أصبحت منظومات اقتصادية متكاملة تتطلب خدمات لوجستية وتقنية وإدارية تضمن للمقاولات شروط اشتغال فعالة وتساعدها على تحسين إنتاجيتها.
من تعبئة العقار الصناعي إلى بناء منظومة استثمارية متكاملة
لا تقاس فعالية المناطق الصناعية بمساحتها الإجمالية أو بعدد القطع الأرضية المتاحة فحسب، بل بقدرتها على استقطاب مشاريع منتجة وتحويل الاستثمارات المعلنة إلى أنشطة اقتصادية فعلية. كما ترتبط جاذبيتها بجودة الحكامة، ووضوح شروط الاستغلال، ومستوى التجهيزات، وتوفر الخدمات الضرورية للمقاولات. وفي هذا الإطار، يمثل طلب إبداء الاهتمام الخاص بمنطقة ويسلان فرصة لتحسين استغلال البنيات القائمة والرفع من قيمتها الاقتصادية، بما يساهم في توفير بيئة أكثر ملاءمة لاستقرار المستثمرين وتطوير أنشطتهم.
ويبحث المستثمرون، عند اختيار مواقع مشاريعهم، عن وضوح الرؤية بشأن تكاليف الاستغلال، وشروط الولوج إلى العقار، وإمكانيات التوسع المستقبلي، وسهولة الحصول على التراخيص والخدمات الأساسية. ولذلك، فإن نجاح هذه المبادرة سيتوقف على قدرة الأطراف المعنية على توفير إطار تعاقدي وتنظيمي واضح، يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، ويشجع على تقديم مشاريع ذات جدوى اقتصادية وقيمة مضافة حقيقية.
ومن شأن استقطاب مستثمرين جدد إلى المنطقة الصناعية ويسلان أن يساهم في تنشيط النسيج الاقتصادي المحلي، سواء عبر إحداث أنشطة جديدة أو تطوير خدمات موجهة إلى المقاولات الموجودة بالمنطقة ومحيطها. غير أن حجم هذه الانعكاسات سيظل مرتبطاً بطبيعة المشاريع التي سيتم اختيارها، ومستوى الاستثمارات المعبأة، وقدرتها الفعلية على خلق فرص الشغل وتعزيز الاندماج في سلاسل الإنتاج الجهوية والوطنية.
كما تبرز أهمية التنسيق المؤسساتي بين المركز الجهوي للاستثمار والجماعات الترابية والمصالح الإدارية والفاعلين الاقتصاديين، باعتباره شرطاً أساسياً لضمان نجاعة تنفيذ المشاريع وتسريع وتيرة إنجازها. ويقتضي ذلك تبسيط المساطر، وتحسين مواكبة المستثمرين، وتوفير المعلومات التقنية والعقارية اللازمة، إلى جانب اعتماد آليات لتتبع الالتزامات الاستثمارية وتقييم النتائج المحققة.
وعلى المدى المتوسط، تواجه جهة فاس مكناس تحدي الانتقال من توفير العقار الصناعي إلى بناء منظومات إنتاجية متخصصة ومترابطة، قادرة على استقطاب الاستثمارات وتعزيز التنافسية. ويتطلب هذا التحول تطوير العلاقات بين المناطق الصناعية ومؤسسات التكوين المهني والجامعات ومراكز البحث، بما يسمح بملاءمة الكفاءات مع احتياجات المقاولات وتشجيع الابتكار الصناعي.
وتتيح المؤهلات الفلاحية والصناعية للجهة فرصاً مهمة لتطوير أنشطة التحويل الغذائي، والصناعات المرتبطة بالمدخلات الفلاحية، والخدمات اللوجستية، وبعض الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة. كما يمكن أن تساهم المشاريع الجديدة في تعزيز اندماج المقاولات المحلية ضمن شبكات التوريد، وتحسين فرصها في الولوج إلى الأسواق الوطنية والدولية.
وفي ظل المنافسة المتزايدة بين الجهات المغربية لاستقطاب الرساميل والمشاريع الإنتاجية، أصبحت جودة العرض الترابي للاستثمار عاملاً حاسماً في تحديد جاذبية المجالات الصناعية. ولم يعد توفر العقار وحده كافياً، بل بات من الضروري تقديم عرض متكامل يجمع بين البنيات التحتية والخدمات والكفاءات والحوافز والمواكبة المؤسساتية.
وتشكل مبادرة تثمين المنطقة الصناعية ويسلان خطوة ضمن مسار أوسع لتعزيز التنمية الصناعية بمدينة مكناس وجهة فاس مكناس عموماً. غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تخصيص القطع الأرضية أو استقطاب المستثمرين فحسب، بل في تحويل هذه الموارد إلى مشاريع إنتاجية مستدامة، قادرة على خلق فرص شغل مؤهلة، وتنويع النسيج الاقتصادي، وتعزيز تنافسية المقاولات. ومن هذا المنطلق، يمكن أن تصبح منطقة ويسلان نموذجاً لتثمين العقار الاقتصادي وربط الاستثمار الصناعي بالتنمية الترابية، شريطة اعتماد حكامة فعالة ورؤية استثمارية طويلة الأمد تقوم على الإنتاج والابتكار وخلق القيمة المضافة.


