أحدث المقالات

العقار في الدار البيضاء: تحدي الولوج إلى السكن

يقف سوق العقارات في الدار البيضاء عند منعطف اقتصادي وعمراني مهم، في ظل تباين تطور الأسعار والمعاملات، وتزايد الضغوط المرتبطة بالقدرة الشرائية للأسر، والتحولات التي تعرفها المدينة. وبين جاذبية الاستثمار العقاري والحاجة إلى توفير مساكن ملائمة، يبرز التحدي الأساسي في قدرة العاصمة الاقتصادية للمغرب على تحقيق التوازن بين المردودية الاستثمارية والحق في السكن وجودة الحياة.

تظل الدار البيضاء إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد المغربي، بفضل تمركز الأنشطة الصناعية والتجارية والمالية والخدماتية بها. ويعزز هذا الثقل الاقتصادي الطلب على العقارات السكنية والمكاتب والمحلات التجارية والمساحات المهنية، كما يدعم جاذبية المدينة لدى المستثمرين والمطورين العقاريين. غير أن هذه الجاذبية تطرح في المقابل إشكالية بنيوية تتمثل في التفاوت بين مستويات أسعار العقارات والقدرات المالية لشرائح واسعة من السكان. فتركز فرص الشغل والخدمات في مناطق معينة يساهم في رفع جاذبية بعض الأحياء، بينما يضع ارتفاع تكلفة السكن ضغوطاً إضافية على الأسر، ولا سيما الشباب والطبقة المتوسطة. وتكشف المؤشرات الحديثة أن السوق العقارية في الدار البيضاء أكثر تعقيداً من مجرد اتجاه تصاعدي للأسعار.

فحسب معطيات بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، سجلت أسعار الأصول العقارية بالدار البيضاء ارتفاعاً بنسبة 0,9% خلال سنة 2025، فيما ارتفع عدد المعاملات بنسبة 7,8%. وتعكس هذه الأرقام تحسناً في النشاط العقاري دون تسجيل ارتفاع عام وحاد في الأسعار على مستوى السنة بأكملها.

وخلال الفصل الأول من سنة 2026، شهد السوق تراجعاً فصلياً في الأسعار بنسبة 2,7%، وانخفاضاً في عدد المعاملات بنسبة 37,8% مقارنة بالفصل السابق. وفي الفصل الثاني، عادت المؤشرات إلى التحسن، إذ ارتفعت الأسعار بنسبة 0,5% والمعاملات بنسبة 4,4%، وفق البيانات المشار إليها في المؤشر الخاص بأسعار الأصول العقارية. وتستدعي هذه التغيرات قراءة اقتصادية حذرة، لأن التطورات الفصلية لا تعكس بالضرورة اتجاهاً مستداماً، بالنظر إلى تأثير الموسمية وتوقيت إبرام الصفقات وطبيعة العقارات التي تشملها المعاملات.

انتعاش المعاملات لا يحسم معضلة السكن

تكمن إحدى أبرز إشكاليات السوق العقارية بالدار البيضاء في الفجوة بين العرض المتاح والقدرة الفعلية للأسر على الشراء. فوجود شقق معروضة للبيع لا يعني بالضرورة أنها متاحة لجميع الفئات. وقد يكون العقار متوفراً في السوق، لكنه يتجاوز الميزانية التي يستطيع تحملها موظف شاب أو أسرة حديثة التكوين أو أسرة من ذوي الدخل المتوسط. وفي هذا السياق، يضطلع التمويل العقاري بدور محوري في تحديد القدرة على التملك. إذ تتداخل مستويات الدخل، والتسبيق المالي، وتكلفة القروض، والاستقرار المهني في تحديد إمكانية اقتناء السكن. وعندما تتضافر هذه العوامل بشكل غير ملائم، تتحول فئات من الطلب المحتمل إلى طلب غير قادر على دخول السوق.

لذلك، لا يكمن التحدي في زيادة عدد الوحدات السكنية فحسب، بل في إنتاج مساكن تتلاءم مع الاحتياجات الفعلية للسكان. فالموقع والمساحة وتكاليف التسيير والصيانة، فضلاً عن النقل والقرب من المدارس والخدمات، كلها عناصر ينبغي إدراجها ضمن التكلفة الإجمالية للسكن. ويقتضي هذا المنظور تجاوز التقسيم التقليدي بين السكن الاقتصادي والعقارات الراقية، والعمل على تطوير عرض متنوع يستجيب لاحتياجات الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، والأطر المهنية، والمستثمرين، والفئات الباحثة عن خدمات سكنية عالية الجودة.

مفارقة السكن الشاغر واستمرار الحاجة إلى السكن

تقدم نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، معطيات مهمة لفهم هذه المفارقة على المستوى الوطني. فقد بلغ عدد المساكن في الوسط الحضري بالمغرب 8,34 ملايين وحدة سنة 2024، مقابل 6,2 ملايين سنة 2014. ومن بين هذه المساكن، بلغ عدد الوحدات الشاغرة نحو 1,1 مليون وحدة، أي ما يعادل 13,4% من مجموع الرصيد السكني الحضري.

وفي المقابل، قدرت المندوبية السامية للتخطيط العجز الكمي في السكن بنحو 334 ألف وحدة، وفق المنهجية المعتمدة في احتساب هذا المؤشر. وتهم هذه الأرقام مجموع الوسط الحضري المغربي، ولا تمثل إحصاءات خاصة بمدينة الدار البيضاء. غير أنها تكشف عن اختلال هيكلي يتمثل في أن توفر المساكن من الناحية الكمية لا يضمن بالضرورة ملاءمتها للطلب الفعلي.

وقد يرتبط شغور بعض الوحدات السكنية بعدة عوامل، من بينها عدم تناسب الأسعار مع دخول الأسر، أو بُعد المواقع عن مناطق العمل، أو الاحتفاظ بالعقارات لأغراض الاستثمار والاستعمال الموسمي، أو الحاجة إلى أشغال الإصلاح والتأهيل. ومن ثم، فإن معالجة هذه المفارقة تتطلب الجمع بين إنتاج مساكن جديدة، وتأهيل الرصيد العقاري القائم، وتحسين شروط التمويل، وتشجيع تعبئة الوحدات الشاغرة القابلة للاستغلال.

تفاوتات مجالية تعيد رسم الخريطة العقارية للمدينة

لا يشكل السوق العقاري بالدار البيضاء وحدة متجانسة، إذ تختلف قيمة العقارات باختلاف الأحياء والموقع ومستوى التجهيزات والبنية التحتية ومدى سهولة الوصول إلى مناطق العمل والخدمات. وتستفيد الأحياء التي تتميز بقربها من المراكز الاقتصادية والتجارية والمؤسسات التعليمية والخدماتية من جاذبية أكبر، في حين توفر بعض المناطق الطرفية مستويات سعرية أقل، لكنها قد تفرض على السكان تكاليف إضافية مرتبطة بالنقل وطول التنقل اليومي.

ويطرح هذا التفاوت سؤالاً جوهرياً حول العلاقة بين السكن والتخطيط الحضري. فالشقة الأقل سعراً عند الشراء قد تتحول إلى خيار أكثر تكلفة على المدى الطويل إذا كان شاغلها مضطراً إلى قطع مسافات طويلة يومياً للوصول إلى مقر العمل أو المؤسسات التعليمية والخدمات الأساسية.

ومن هذا المنطلق، يصبح التقارب بين مناطق السكن وأقطاب التشغيل أحد الشروط الأساسية لتحسين كفاءة المدينة. كما تكتسب وسائل النقل الجماعي والتجهيزات المحلية وجودة الفضاءات العامة أهمية متزايدة، ليس فقط باعتبارها عناصر لتحسين جودة الحياة، بل أيضاً بوصفها عوامل مؤثرة في القيمة العقارية.

العقار المهني رافعة للتحول الاقتصادي

لا يقتصر التحليل العقاري للدار البيضاء على السكن، بل يشمل كذلك المكاتب والمحلات التجارية والمنصات اللوجستية والفضاءات المخصصة للأنشطة الاقتصادية. ويخضع أداء هذا القطاع لجملة من العوامل، من بينها جودة المباني، وسهولة الولوج، وتوفر الخدمات، وتكاليف الاستغلال، والقدرة على الاستجابة للتحولات التي تعرفها المؤسسات والمقاولات.

وعلى المستوى الوطني، أظهرت بيانات مؤشر أسعار الأصول العقارية تحسناً في نشاط العقار المهني خلال الفصل الثاني من سنة 2026. ووفق معطيات منشورة استناداً إلى بيانات بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، ارتفع عدد معاملات هذه الفئة بنسبة 31,9% على أساس سنوي. غير أن هذا التطور الوطني لا يمكن إسقاطه بصورة مباشرة على سوق الدار البيضاء دون بيانات محلية مفصلة.

وبالنسبة إلى العاصمة الاقتصادية، يتمثل الرهان في تطوير عرض عقاري مهني يواكب احتياجات الاقتصاد الإنتاجي والخدمات المالية والتجارة والأنشطة التكنولوجية. فتوفير فضاءات مناسبة للمقاولات يمكن أن يعزز جاذبية المدينة للاستثمارات، ويدعم خلق فرص الشغل، ويساهم في تحسين تنافسية النسيج الاقتصادي.

نحو نموذج عقاري أكثر توازناً

تتطلب المرحلة المقبلة من التنمية العقارية بالدار البيضاء تعزيز التنسيق بين الاستثمار الخاص والتخطيط الحضري والسياسات العمومية المرتبطة بالسكن. وتبرز في هذا السياق ثلاث أولويات رئيسية.

أولاً، تحسين المعرفة بالسوق. يتطلب اتخاذ القرارات الاستثمارية والعمومية توفير معطيات أكثر تفصيلاً حول الأسعار الفعلية المسجلة، والإيجارات، والمساكن الشاغرة، ومدد التسويق، واحتياجات الأسر حسب فئات الدخل والأحياء. فمؤشر الأسعار يتيح قياس تطور السوق، لكنه لا يوفر بمفرده سعراً متوسطاً موثوقاً للمتر المربع في كل حي.

ثانياً، تنويع العرض السكني. من شأن تطوير وحدات بمساحات وأسعار مختلفة، بالتوازي مع تحسين آليات التمويل، أن يوسع قاعدة المستفيدين من السكن ويلائم تنوع الدخول والمسارات المهنية والاجتماعية للأسر.

ثالثاً، تعزيز جودة التخطيط الحضري. ينبغي أن ترافق عمليات البناء الجديدة سياسات لإعادة تأهيل النسيج العمراني القديم، ومحاربة السكن غير اللائق، وتشجيع التكثيف الحضري المدروس، وتحسين النقل والتجهيزات الأساسية. ويظل التنسيق بين هذه الأولويات ضرورياً لتفادي توسع عمراني يرفع تكاليف التنقل اليومي ويعمق التفاوتات المجالية والاجتماعية داخل المدينة.

الخلاصة: قيمة العقار تقاس أيضاً بأثره الاقتصادي والاجتماعي

تحتفظ الدار البيضاء بمقومات هيكلية تدعم جاذبيتها العقارية، في مقدمتها وزنها الاقتصادي وتنوع أنشطتها الإنتاجية والخدماتية. غير أن المؤشرات الحديثة تؤكد أن الأسعار والمعاملات قد تتحرك بوتيرتين مختلفتين، الأمر الذي يستدعي تحليلاً أكثر دقة من الاكتفاء بمؤشرات الارتفاع أو التراجع.

ولا يتمثل التحدي الحقيقي في تحفيز المبيعات أو المحافظة على جاذبية الاستثمار فحسب، بل في تحويل العقار إلى رافعة للتنافسية الاقتصادية والاستقرار السكني وتحسين ظروف العيش. فنجاح النموذج العقاري بالدار البيضاء لن يقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة أو حجم الاستثمارات المستقطبة، بل أيضاً بمدى قدرتها على تلبية احتياجات السكان والمقاولات، وتوفير سكن ملائم، وتعزيز التكامل بين التنمية العمرانية والنشاط الاقتصادي.

إن المرحلة المقبلة تقتضي، بالتالي، الانتقال نحو نمو عقاري أكثر تخطيطاً وتوازناً، يوفق بين الجدوى الاقتصادية والقدرة الشرائية للأسر، ويجعل من المدينة فضاءً للاستثمار والإنتاج والعيش الكريم في آن واحد.

قد يعجبك ايضا