تُظهر وتيرة نمو الائتمان البنكي في المغرب خلال سنة 2026 تحولاً لافتاً في طبيعة التمويلات، بعدما أصبح الاستثمار المنتج يحتل موقعاً متقدماً في توجهات القطاع البنكي. فقد بلغ إجمالي القروض البنكية القائمة 1.292,3 مليار درهم عند متم غشت 2026، مسجلاً ارتفاعاً بنسبة 11,3% على أساس سنوي.
غير أن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في ارتفاع حجم القروض، بل أساساً في وجهتها. فقد سجلت القروض الموجهة إلى التجهيز أقوى نمو بين مختلف فئات التمويل، حيث بلغ رصيدها 348,4 مليار درهم، بزيادة سنوية بلغت 30,3%. وبذلك أصبحت قروض التجهيز تمثل نحو 27% من إجمالي الائتمان البنكي، متجاوزة التمويلات العقارية التي استقر رصيدها عند 330,3 مليار درهم، بنمو محدود لم يتجاوز 3,9%.
التمويل يتجه نحو الاقتصاد المنتج
يعكس هذا التحول تغيراً مهماً في علاقة القطاع البنكي بالاقتصاد الحقيقي. فتمويل التجهيز يرتبط مباشرة باقتناء الآلات والمعدات وخطوط الإنتاج والتكنولوجيات الجديدة ووسائل العمل التي تسمح للشركات بتوسيع قدراتها الإنتاجية. وعندما تحصل شركة صناعية على قرض لاقتناء خط إنتاج جديد، فإن التمويل لا يبقى مجرد عملية مالية مسجلة في دفاتر البنك، بل يتحول إلى قدرة إنتاجية جديدة يمكن أن تنعكس على حجم الإنتاج والمبيعات والصادرات وفرص العمل.
وهنا تكمن الأهمية الاقتصادية للارتفاع القوي في قروض التجهيز. فالمغرب يواصل في الوقت نفسه تنفيذ استراتيجيات تهدف إلى تعزيز القاعدة الصناعية، وتطوير سلاسل القيمة المحلية، وجذب الاستثمارات، ورفع القدرة التنافسية للمقاولات المغربية في الأسواق الخارجية. وفي هذا السياق، يصبح الائتمان البنكي إحدى الأدوات الأساسية لمواكبة هذه الدينامية.
وتكشف الأرقام أيضاً عن استمرار الطلب على تمويل الدورة التشغيلية للمقاولات، إذ بلغ رصيد قروض الخزينة والحسابات المدينة 260,2 مليار درهم، بارتفاع نسبته 9,2% خلال سنة. ويعني ذلك أن الشركات لا تحتاج فقط إلى تمويل استثماراتها طويلة الأجل، وإنما تحتاج أيضاً إلى موارد مالية لتغطية المخزون والمشتريات والأجور ومختلف احتياجات دورة الإنتاج.
وتتضح الصورة أكثر من خلال تطور شروط التمويل. فقد بلغ متوسط سعر الفائدة على القروض الجديدة الممنوحة للمقاولات الخاصة 4,81%، مقابل 4,56% بالنسبة للمقاولات الكبرى و5,20% بالنسبة للمقاولات الصغيرة والمتوسطة والصغيرة جداً. كما ساهم تخفيف معايير منح بعض قروض التجهيز في تسهيل ولوج المقاولات إلى التمويل، وهو عامل يمكن أن يدعم قرارات الاستثمار، خصوصاً بالنسبة للمقاولات التي لا تتوفر على موارد ذاتية كافية لتمويل توسعاتها.
من القرض إلى الإنتاج وخلق فرص العمل
غير أن ارتفاع القروض لا يمثل في حد ذاته ضمانة لارتفاع الاستثمار أو خلق فرص العمل. فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرة هذه التمويلات على التحول إلى مشاريع ومصانع ومعدات وتكنولوجيات جديدة وقدرات إنتاجية إضافية. فكلما ارتبط القرض باستثمار منتج، ارتفعت قدرته على خلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد.
ويمكن لخط إنتاج جديد أن يرفع الطاقة الإنتاجية لشركة صناعية، كما يمكن لمعدات حديثة أن تحسن الإنتاجية وتخفض تكلفة التصنيع وتفتح أمام المقاولة أسواقاً جديدة. كما يمكن لتوسعة وحدة صناعية أن تولد وظائف مباشرة، إلى جانب فرص عمل غير مباشرة لدى الموردين وشركات النقل والخدمات والمناولة.
ومن هذه الزاوية، فإن نمو قروض التجهيز بنسبة 30,3% يمثل مؤشراً مهماً على تحسن شهية الاستثمار لدى جزء من النسيج المقاولاتي المغربي. وتكتسب هذه الدينامية أهمية خاصة في قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران والصناعات الغذائية والإلكترونيات والطاقات المتجددة والتكنولوجيات الحديثة.
كما يمكن أن تساهم في تسريع انتقال عدد من المقاولات من نموذج الإنتاج التقليدي إلى نموذج أكثر اعتماداً على الرقمنة والأتمتة والتكنولوجيا. ويبقى التحدي الأساسي هو ضمان توجيه التمويلات نحو مشاريع ذات مردودية اقتصادية حقيقية وقادرة على رفع الإنتاجية والتنافسية. فارتفاع القروض يصبح أكثر أهمية عندما يؤدي إلى زيادة الإنتاج، وتوسيع الصادرات، وتحسين الإنتاجية، وخلق فرص عمل جديدة.
وفي هذا الإطار، يمكن اعتبار التحول الملحوظ في بنية الائتمان البنكي المغربي خلال 2026 مؤشراً على تغير تدريجي في طبيعة التمويل داخل الاقتصاد. فبعدما ظل العقار لسنوات أحد أهم محركات الطلب على القروض، يبدو أن الاستثمار في المعدات والقدرات الإنتاجية يكتسب وزناً متزايداً. ويعكس ذلك، في جانب منه، ثقة أكبر لدى المقاولات في آفاق النمو، وحاجتها إلى الاستثمار من أجل الاستجابة للطلب وتطوير قدراتها التنافسية.
وبالتالي، فإن وصول الائتمان البنكي إلى 1.292,3 مليار درهم لا ينبغي قراءته فقط باعتباره رقماً مالياً، بل باعتباره مؤشراً على حجم الموارد التي يمكن أن تتحول إلى نشاط اقتصادي جديد. ويبقى الرهان بالنسبة للمغرب هو تحويل هذه السيولة والتمويلات إلى استثمار منتج، وقيمة مضافة، وصناعة أكثر تنافسية، وصادرات أقوى، ومزيد من فرص العمل.
ومن هذه الزاوية، فإن انتقال مركز الثقل من التمويل العقاري نحو تمويل التجهيز قد يكون أحد أبرز المؤشرات على أن الائتمان البنكي المغربي بدأ يلعب دوراً أكبر في تمويل الاقتصاد المنتج.


