كان الاقتصاد المغربي يستعد لتحقيق أداء قوي خلال عام 2026، حيث توقعت عدة مؤسسات في بداية السنة أن يصل معدل النمو إلى 4.8%، مدعوماً بتحسن الموسم الفلاحي، وتراجع التضخم، وارتفاع الاستثمار العمومي، والأداء الجيد للقطاعات الصناعية الموجهة للتصدير. غير أن هذه التوقعات عُدلت تدريجياً خلال الأشهر اللاحقة لتستقر عند حوالي 3%. ولا يعكس هذا التراجع ضعفاً في الاقتصاد الوطني، بل يعبر عن تأثير بيئة دولية أكثر تعقيداً، إلى جانب استمرار بعض التحديات الهيكلية التي تحد من إمكانات النمو.
ويتمثل السبب الأول في تباطؤ الطلب العالمي، خاصة في أوروبا التي تعد الشريك التجاري الأول للمغرب. فقد أدى ضعف النمو الأوروبي إلى الحد من وتيرة الصادرات الصناعية المغربية، رغم استمرار الأداء الإيجابي لقطاعات السيارات والطيران والفوسفاط والصناعات الموجهة للتصدير.
أما العامل الثاني فيرتبط بالموسم الفلاحي الذي جاء أقل من التوقعات. فعلى الرغم من تحسن التساقطات مقارنة بسنوات الجفاف، فإن القيمة المضافة الفلاحية لم تبلغ المستوى المنتظر. ولا تزال الفلاحة، رغم تراجع مساهمتها في الناتج الداخلي الخام، تؤثر بشكل كبير في النمو الاقتصادي والتشغيل والاستهلاك.
ويؤكد التقرير الاستشرافي للمندوبية السامية للتخطيط أن الطلب الداخلي ما زال يشكل المحرك الرئيسي للنمو. فقد استفادت الأسر من تراجع التضخم وتحسن الأجور، بينما واصلت الاستثمارات العمومية الكبرى دعم النشاط الاقتصادي. غير أن قوة الطلب الداخلي أدت أيضاً إلى ارتفاع الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، مما حد من مساهمة التجارة الخارجية في النمو.
ويظل الاستثمار أحد أهم نقاط قوة الاقتصاد المغربي، بفضل مشاريع البنية التحتية، والاستثمارات الصناعية، والمشاريع المرتبطة باستضافة كأس العالم 2030، إضافة إلى تفعيل ميثاق الاستثمار الجديد. إلا أن الأثر الاقتصادي الكامل لهذه المشاريع لن يظهر إلا ابتداءً من عامي 2027 و2028، حيث يتوقع أن تدخل العديد من المشاريع مرحلة الإنتاج الفعلي.
كما ساهمت التوترات الجيوسياسية العالمية، وعدم اليقين في التجارة الدولية، وتقلب أسعار الطاقة، في تقليص شهية المستثمرين وتأجيل بعض المشاريع الاستثمارية، فضلاً عن استمرار ارتفاع تكاليف النقل والخدمات اللوجستية.
ورغم ذلك، فإن تباطؤ النمو لا يمس بأسس الاقتصاد المغربي. فالقطاعات غير الفلاحية، مثل الصناعة، والخدمات، والسياحة، والطاقات المتجددة، والبناء، تواصل تحقيق نتائج إيجابية، مما يعكس التحول التدريجي للاقتصاد المغربي نحو نموذج أكثر تنوعاً وأكثر اعتماداً على الصناعة والابتكار.
كما تظل المؤشرات الاقتصادية الكلية مطمئنة، مع تراجع التضخم، وتحسن المالية العمومية، وارتفاع الإيرادات الضريبية، واستقرار مسار الدين العمومي، وهو ما يمنح المملكة قدرة أكبر على مواصلة تمويل المشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وفي النهاية، فإن الانتقال من توقع نمو يبلغ 4.8% إلى حوالي 3% لا يعكس تراجعاً هيكلياً، بل يمثل تصحيحاً للتوقعات في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية. ويبقى التحدي الحقيقي أمام المغرب هو تحقيق نمو أكثر استدامة وشمولاً، وأقل ارتباطاً بالتقلبات المناخية والدورات الاقتصادية الدولية. وإذا أثمرت الاستثمارات الصناعية الكبرى وحققت مشاريع كأس العالم 2030 آثارها الاقتصادية المنتظرة، فمن المرجح أن يستعيد المغرب معدلات نمو تفوق 4% خلال السنوات المقبلة، مدعوماً بقاعدة اقتصادية أكثر تنوعاً وتنافسية.















