تكشف التطورات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عن مفارقة لافتة في موقع إفريقيا داخل خريطة التجارة البحرية العالمية، إذ توفر القارة موقعاً جغرافياً يسمح لها بالاستفادة من تحويل مسارات الشحن، لكنها لا تزال تفتقر إلى المقومات الكفيلة بتحويل هذه الفرصة الظرفية إلى مكسب استراتيجي دائم.
وقد أعادت الحرب التي اندلعت أواخر فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى رسم خريطة الملاحة العالمية، بعدما أدى إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب أحد أهم الممرات الطاقية في العالم، والذي تمر عبره نحو 20% من صادرات النفط والغاز الطبيعي المسال.
وأدى هذا الوضع إلى ارتفاع حاد في تكاليف النقل البحري، حيث قفزت أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة من نحو 60 ألف دولار يومياً مطلع 2026 إلى 600 ألف دولار في مارس، قبل أن تستقر عند مستويات مرتفعة، ما يعكس “ضريبة حرب” مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية.
في المقابل، دخلت إفريقيا على خط التحولات كمستفيد محتمل، بعد أن قررت كبريات شركات الشحن، مثل Maersk وHapag-Lloyd وCMA CGM، تحويل مسارات سفنها عبر رأس الرجاء الصالح، في تحول بات يُنظر إليه كواقع جديد أكثر منه إجراءً مؤقتاً.
ونتيجة لذلك، شهدت الموانئ الإفريقية انتعاشاً ملحوظاً، حيث ارتفعت حركة السفن العابرة بشكل كبير، بينما يتوقع ميناء طنجة المتوسط زيادة في عدد السفن، رغم التحديات المرتبطة بتدبير الطاقة الاستيعابية وتفادي الازدحام.
كما برز قطاع تزويد السفن بالوقود كأحد أبرز المستفيدين من هذه التحولات، إذ سجلت موانئ مثل بورت لويس أرقاماً قياسية في مبيعات الوقود، فيما بدأت موانئ أخرى مثل خليج والفيش في ناميبيا تكتسب حصة متزايدة من السوق الإقليمية.
غير أن هذه الدينامية تخفي اختلالات هيكلية تحد من استفادة القارة، إذ أدى إغلاق منشآت الطاقة في الخليج إلى تراجع إمدادات الوقود البحري نحو إفريقيا، ما خلق مفارقة بين ارتفاع الطلب وتقلص العرض، وبالتالي ارتفاع الأسعار.
وتواجه الموانئ الإفريقية تحديات إضافية، تشمل ضعف البنية التحتية، والازدحام في بعض الموانئ، والأنظمة الضريبية غير الجاذبة، إلى جانب مخاطر القرصنة والغموض التنظيمي، وهي عوامل تعيق تحويل هذه الفرصة إلى مكسب مستدام.
كما انعكست هذه التحولات على كلفة التجارة، مع ارتفاع الرسوم الإضافية على الشحن البحري، التي تتراوح بين 1500 و4000 دولار للحاوية، ما يزيد الضغط على اقتصادات إفريقية تعتمد بشكل كبير على الواردات.
وفي المحصلة، تبرز إفريقيا كفاعل صاعد في التجارة البحرية، ولكن بدافع الظروف أكثر من التخطيط، إذ تظل مكاسبها الحالية رهينة باستمرار الاضطرابات الخارجية، ما يطرح تحدياً حقيقياً يتمثل في تحويل هذا الظرف الاستثنائي إلى فرصة استراتيجية قائمة على الاستثمار والإصلاح.




