أحدث المقالات

تقرير: تموقع متقدم للدار البيضاء يعكس طموح المغرب المالي إقليميا

يكشف مؤشر المراكز المالية العالمية، الصادر في مارس 2026، عن حضور محدود للمراكز الإفريقية ضمن الخريطة المالية الدولية، رغم بروز بعض المدن التي بدأت تفرض نفسها تدريجيا في تصورات الفاعلين الماليين وآفاق التنمية بالقارة.

ويضم التصنيف 120 مركزا ماليا عبر العالم، لا تحضر منها سوى 7 مدن إفريقية في القائمة الرئيسية، تتقدمها الدار البيضاء في المرتبة 49، تليها موريشيوس (50) وكيغالي (72)، ثم جوهانسبرغ (80) وكيب تاون (96) ونيروبي (114) ولاغوس (118).

ويبرز هذا الترتيب اتساع الفجوة مع المراكز المالية الكبرى، التي لا تزال تهيمن عليها مدن مثل نيويورك ولندن وسنغافورة، في ظل غياب أي مركز إفريقي ضمن قائمة الأربعين الأوائل، ما يعكس اندماجا جزئيا فقط للقارة في التدفقات المالية العالمية.

وتؤكد المعطيات الإقليمية استمرار تفوق المراكز الخليجية، خاصة دبي وأبوظبي والدوحة، التي تتصدر فضاء الشرق الأوسط وإفريقيا، مقابل تموقع ثانوي للمراكز الإفريقية رغم تسجيل بعض مؤشرات التقدم.

وتعكس دينامية الترتيب مسارات متباينة بين المراكز الإفريقية، حيث سجلت جوهانسبرغ أبرز تقدم بصعودها 14 مرتبة، فيما حققت الدار البيضاء وموريشيوس تحسنا نسبيا رغم تراجع طفيف في موقعيهما.

وفي المقابل، عرفت عدة مراكز تراجعا ملحوظا، إذ سجلت نيروبي أكبر انخفاض، بينما تراجعت كيغالي وكيب تاون، كما شهدت لاغوس وضعا متذبذبا بين تحسن طفيف في بعض المؤشرات وتراجع في الترتيب العام.

وتبرز هذه التحولات مدى حساسية المراكز الإفريقية لتقييمات الفاعلين الدوليين، خاصة وأن المؤشر يعتمد مزيجا من البيانات الكمية والانطباعات المهنية، ما يعزز تأثير عوامل مثل الاستقرار التنظيمي وعمق الأسواق وجودة البنيات التحتية.

ويرتبط تفاوت الأداء أيضا بدرجات نضج متفاوتة، إذ يستند التقييم إلى خمسة محددات رئيسية تشمل بيئة الأعمال، والرأسمال البشري، والبنية التحتية، وتطور القطاع المالي، إضافة إلى السمعة الدولية.

وتشكل البنيات التحتية، خصوصا الرقمية، عاملا حاسما في جاذبية هذه المراكز، حيث يؤكد التقرير أن جودة الشبكات والأمن السيبراني وموثوقية الأنظمة عناصر مؤثرة بشكل مباشر في ثقة المستثمرين.

ويظل استقطاب الكفاءات الدولية تحديا بنيويا بارزا، إلى جانب الحاجة إلى أطر تنظيمية مستقرة وشفافة، وهي متطلبات أساسية لتعزيز جاذبية الأسواق المالية الإفريقية.

ويكشف المؤشر عن مشهد مالي إفريقي مجزأ، حيث تصنف الدار البيضاء كمركز دولي صاعد، وجوهانسبرغ كمركز متنوع، فيما تندرج مدن مثل كيغالي ونيروبي ولاغوس وكيب تاون ضمن فئة المراكز الناشئة أو المحلية.

ويعكس هذا التصنيف محدودية الترابط بين المراكز الإفريقية، مقارنة بالمراكز العالمية التي تستند إلى شبكات قوية تسهل تدفقات رأس المال وتبادل الخبرات.

وتبقى القارة، في هذا السياق، أمام نظام مالي إقليمي غير متكامل، تطغى عليه مراكز متجاورة أكثر منها مترابطة ضمن شبكة قارية موحدة.

ورغم ذلك، يسجل التقرير بوادر تحسن، إذ تبرز عدة مدن إفريقية ضمن قائمة المراكز المتوقع صعودها مستقبلا، وفق آراء المهنيين في القطاع.

وتتصدر موريشيوس وكيغالي والدار البيضاء قائمة المراكز الواعدة، بعدد مرات ذكر بلغ 33 و27 و23 على التوالي، ما يعكس اهتماما متزايدا من المستثمرين الدوليين.

وتندرج هذه الدينامية في سياق تحولات اقتصادية أوسع بالقارة، تشمل التوسع الحضري وتسارع الرقمنة ونمو الخدمات المالية، إلى جانب دور منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية في دعم التكامل المالي.

ويطرح هذا التطور رهانا استراتيجيا يتمثل في قدرة إفريقيا على بناء مراكز مالية قادرة على جذب وتوجيه رؤوس الأموال على المستويين الإقليمي والدولي.

ويستدعي تعزيز التنافسية تسريع إصلاح الأطر التنظيمية، وتحديث البنيات التحتية، وتطوير أسواق الرساميل، إلى جانب استثمار فرص التقنيات المالية الناشئة.

ويعد الربط بين المراكز المالية عاملا حاسما، إذ تظهر التجارب الدولية أن المراكز الأكثر نجاحا هي تلك المنخرطة في شبكات مالية عالمية كثيفة.

ويؤكد المؤشر في خلاصته بروزا تدريجيا لبعض المراكز الإفريقية، رغم استمرار الفجوة مع المعايير الدولية، ما يعكس مرحلة انتقالية في مسار اندماج القارة في النظام المالي العالمي.

وتعكس الآفاق المرتبطة بموريشيوس وكيغالي والدار البيضاء إدراكا متناميا لإمكانات إفريقيا، مقابل تحديات هيكلية لا تزال قائمة.

ويظل توطيد هذه المراكز وتعزيز تخصصها وربطها ببعضها البعض شرطا أساسيا لتحويل هذا الزخم إلى رافعة مستدامة لتطوير التمويل بالقارة.

قد يعجبك ايضا