في سياق قاري يتسم بتزايد الضغوط على أنظمة الصحة وتراجع التمويلات الخارجية، اختار المغرب أن يقدم بأديس أبابا قراءة مختلفة لمسألة تمويل القطاع الصحي، تقوم على منطق الاستثمار والاستدامة بدل الاكتفاء برفع حجم النفقات.
وخلال الحوار رفيع المستوى حول المالية والصحة، المنظم على هامش القمة التاسعة والثلاثين للاتحاد الإفريقي بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا، استعرض وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أمين التهراوي، ملامح التحول الذي تعرفه المنظومة الصحية بالمملكة، مؤكداً أن الرهان لم يعد محصوراً في توسيع الغلاف المالي، بل في تحسين جودة توظيفه وضمان مردوديته على المدى البعيد.
قفزة في الاعتمادات.. ورهان على النجاعة
الأرقام تعكس هذا التوجه؛ إذ انتقلت ميزانية القطاع من نحو ملياري دولار سنة 2021 إلى أكثر من أربعة ملايير دولار مرتقبة سنة 2026، في إطار إصلاح شمولي يرتبط بورش تعميم الحماية الاجتماعية وإعادة هيكلة العرض الصحي.
غير أن المسؤول الحكومي شدد على أن التحدي الحقيقي يكمن في ترشيد الإنفاق وتوجيهه وفق أولويات واضحة، بما يضمن الاستدامة المالية للنظام الصحي.
من تمويل التكاليف إلى هندسة مالية مهيكلة
المقاربة المغربية، كما عرضها الوزير، تقوم على تحويل الحماية الاجتماعية إلى رافعة تمويلية قادرة على دعم القطاع بشكل منظم ومستقر، من خلال هندسة مالية تأخذ بعين الاعتبار تنظيم الخدمات، وضبط النفقات، وضمان استمرارية الموارد.
وهو تحول هيكلي يسعى إلى القطع مع نمط تدبير يقوم أساساً على تغطية التكاليف الآنية دون رؤية بعيدة المدى.
بعد إفريقي.. نحو سيادة صحية جماعية
المشاركة المغربية في هذا اللقاء، الذي جمع مسؤولين حكوميين ومؤسسات مالية إفريقية ودولية، جاءت أيضاً في إطار الدفاع عن تصور قاري مشترك للسيادة الصحية، يقوم على تنسيق أكبر بين وزارات المالية والصحة، وتعبئة موارد داخلية مستدامة، وتشجيع الإنتاج المحلي للأدوية واللقاحات.
وقد تُوجت أشغال الاجتماع باعتماد “إعلان أديس أبابا”، الذي دعا إلى إرساء آليات تمويل مبتكرة تعزز استقلال القرار الصحي الإفريقي وتقلص الارتهان للتمويلات الخارجية، خاصة في فترات الأزمات.
بهذا الطرح، يضع المغرب إصلاحه الصحي ضمن رؤية أوسع تتقاطع فيها الأبعاد الوطنية بالقارية، ويقدم نفسه كنموذج يسعى إلى بناء منظومة صحية أكثر صلابة، تقوم على الحكامة الجيدة، والاستدامة المالية، وربط الصحة بالتنمية والاستقرار.




