أمطار غزيرة، تساقطات ثلجية غير معتادة، وانخفاض حاد في درجات الحرارة… عرف المغرب خلال الأسابيع الأخيرة وضعية مناخية استثنائية. الخبير في علم المناخ سعيد كروك يوضح أن ما جرى ليس حدثاً عرضياً، بل نتيجة تزامن نادر لعدة آليات مناخية كبرى على المستوى العالمي، من بينها ظاهرة “لا نينيا”، والتذبذب السلبي للأطلسي الشمالي، وتدفق هوائي استوائي رطب، إضافة إلى اضطراب الدوامة القطبية، وكلها عوامل تضاعف تأثيراتها بفعل التغير المناخي.
تزامن نادر لظواهر مناخية كبرى
يوضح الخبير المناخي سعيد كروك أن ما شهده المغرب خلال هذه الفترة يعود إلى تزامن استثنائي لعدة ظواهر مناخية نادراً ما تجتمع في الوقت نفسه. هذا التلاقي بين آليات عالمية وإقليمية جعل الوضع الجوي يتجاوز الاضطرابات الشتوية المعتادة، ليدخل في نطاق الحالات المناخية القصوى.
في صلب هذه الوضعية تبرز ظاهرة “لا نينيا”، التي تتميز بانخفاض غير اعتيادي في حرارة المياه السطحية للمحيط الهادئ الاستوائي. ويُعد هذا المحيط أحد المحركات الأساسية للمناخ العالمي، إذ تتحكم حرارة مياهه في توزيع الطاقة الحرارية التي تغذي الغلاف الجوي.
“لا نينيا” وإضعاف المرتفع الأزوري
بعكس ظاهرة “إل نينيو” التي تعزز المرتفع الجوي للأزور وتؤدي غالباً إلى الجفاف في شمال إفريقيا، فإن “لا نينيا” تؤدي إلى إضعاف هذا المرتفع. هذا الضعف يسمح للاضطرابات الأطلسية بالتقدم جنوباً والوصول إلى المغرب.
بالتوازي مع ذلك، سجل التذبذب الشمالي للأطلسي (NAO) مرحلة سلبية، وهي وضعية تساعد على نزول كتل هوائية باردة من العروض القطبية نحو المناطق المعتدلة. وعندما يلتقي هذا الهواء البارد بالهواء الدافئ والرطب القادم من المحيط الأطلسي، تتشكل ظروف مواتية لاضطرابات قوية.
تصادم الكتل الهوائية وأمطار غزيرة
هذا التصادم بين كتل هوائية متناقضة يفسر غزارة الأمطار والتساقطات الثلجية المهمة، خاصة بالمناطق الجبلية. ويشير سعيد كروك إلى أن هذه الآليات ليست جديدة في تاريخ مناخ المغرب، غير أن حدة تأثيرها اليوم أكبر بفعل التغير المناخي، الذي رفع من قدرة الغلاف الجوي على تخزين بخار الماء.
وعندما يصل هذا المخزون إلى درجة التشبع، يكون رجوع التساقطات أكثر كثافة، وأشد عنفاً، وأقصر زمناً.
تدفق استوائي رطب من منطقة الكاريبي
خلال أواخر شهر يناير، تعززت هذه الوضعية بظاهرة نادرة أخرى، تمثلت في تدفق هوائي استوائي شديد الرطوبة قادم من المحيط الأطلسي الاستوائي ومنطقة الكاريبي. ورغم أن هذه المناطق معروفة بنشاط الأعاصير المدارية، فإن الظروف لم تكن مناسبة لتشكل أعاصير، بل لانتقال هواء حار ومشبع ببخار الماء.
هذا الهواء الاستوائي جرى سحبه نحو المغرب بفعل اندفاع هواء بارد قادم من القطب الكندي عبر منطقة لابرادور، ما أدى إلى تشكل تيار مركب يجمع بين البرودة القطبية والرطوبة المدارية، داخل ممر جوي ضيق ومباشر نحو المغرب.
الدوامة القطبية وتأثيرها غير المباشر
عامل آخر زاد من تعقيد المشهد، يتمثل في اضطراب الدوامة القطبية. فقد أدى ارتفاع غير طبيعي في حرارة طبقة الستراتوسفير إلى إضعاف هذا النظام الهوائي الذي يكون عادة مستقراً حول القطب الشمالي.
نتيجة لذلك، تسربت كتل هوائية شديدة البرودة نحو أمريكا الشمالية وروسيا وآسيا، مع تأثيرات غير مباشرة وصلت إلى الأطلسي وشمال إفريقيا، حيث ساهمت في تعميق المنخفضات الجوية وتسريع الاضطرابات المصحوبة برياح قوية وبرودة ملحوظة.
التغير المناخي في خلفية المشهد
يرى الخبير سعيد كروك أن التغير المناخي يمثل العامل المضاعف الأساسي لكل هذه الظواهر. فارتفاع درجة حرارة الأرض يؤدي إلى اختلال دورة المياه، حيث تصبح فترات الجفاف أطول وأكثر قسوة، بينما تأتي فترات المطر بشكل فجائي وأكثر عنفاً.
هذا التحول يعكس ما يسميه الخبير بـ “المناخ الجديد”، الناتج عن الارتفاع المستمر في الميزان الطاقي للأرض، وما يرافقه من اضطرابات في توزيع التساقطات على الصعيد العالمي.
الفيضانات… أزمة تكيّف قبل أن تكون أزمة مناخ
في ما يخص الفيضانات، يؤكد سعيد كروك أن المشكلة لا ترتبط بالمناخ وحده، بل أيضاً بقدرة البنيات التحتية على استيعاب كميات المياه المتساقطة. فحدوث الفيضانات يتطلب شرطين أساسيين: أمطار تفوق المعدلات المعتادة، وبنيات غير قادرة على تصريف هذه المياه.
معظم المدن المغربية، مثل غيرها عبر العالم، تعتمد على شبكات بُنيت وفق معايير مناخية تعود إلى القرن الماضي، وهي معايير لم تعد ملائمة للواقع المناخي الحالي.
ضرورة إعادة تأهيل البنيات التحتية
إذا كان إدماج المعطيات المناخية الجديدة في المشاريع المستقبلية أمراً ممكناً، فإن إعادة تأهيل البنيات القائمة يظل التحدي الأكبر، نظراً لتعقيداته التقنية وكلفته المرتفعة. ويستشهد الخبير ببعض التجارب، مثل توسيع قنوات تصريف المياه في الدار البيضاء بعد فيضانات 2010، باعتبارها نموذجاً يجب تعميمه.
السدود بين التخزين والحماية
تلعب السدود دوراً مزدوجاً: تخزين المياه لمواجهة الجفاف، وحماية السكان من الفيضانات. غير أن سوء التدبير قد يحولها إلى عنصر خطر. ويستحضر سعيد كروك أخطاء سنوات 2009–2010، حين امتلأت بعض السدود بالكامل قبل الاضطرار إلى تفريغها بشكل اضطراري.
الحل، حسب الخبير، يكمن في التدبير الاستباقي، عبر تفريغات مضبوطة ابتداءً من مستويات آمنة، بدل الانتظار إلى بلوغ السعة القصوى.
نحو يقظة مناخية دائمة
ورغم الطابع الاستثنائي لما شهده المغرب، فإن هذه الظروف قد تتكرر في ظل استمرار الاحترار العالمي. لذلك يشدد سعيد كروك على أهمية المراقبة المستمرة للمحيطات والمؤشرات المناخية منذ بداية كل موسم مطري.
فالتكيف مع المناخ لم يعد خياراً، بل ضرورة استراتيجية لضمان صمود المغرب أمام تحولات مناخية عميقة ومتسارعة.







