لم يكن نهائي كأس أمم إفريقيا مجرد مواجهة كروية لحسم لقب قاري، بل تحوّل إلى محطة اختبار حقيقية لمدى قدرة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) على تدبير الأزمات الكبرى، وحماية صورة المنافسة، وترسيخ مبادئ العدالة والانضباط داخل الملاعب الإفريقية.
فالقرارات التي أعقبت المباراة، وما رافقها من جدل واسع، أعادت إلى الواجهة سؤال الحوكمة الكروية وحدود تدخل المؤسسات القارية في لحظات التوتر القصوى.
لقد اختار الكاف، من خلال العقوبات التي أصدرها، اعتماد مقاربة تأديبية صارمة، شملت لاعبين ومسؤولين واتحادات وطنية، في رسالة واضحة مفادها أن السلوك غير الرياضي، سواء داخل أرضية الملعب أو خارجها، لن يُتسامح معه مهما كانت قيمة المباراة أو حجم الرهانات.
غير أن هذه الصرامة، وإن بدت ضرورية من زاوية الحفاظ على النظام، لم تُنهِ الجدل، بل غذّت نقاشا أوسع حول مدى توازن القرارات وعدالتها.
رفض الكاف للاحتجاجات المقدمة، وتمسكه بالنتيجة النهائية، يعكس حرصا مؤسساتيا على حماية مبدأ “نهائية الأحكام” وعدم فتح الباب أمام سيناريوهات قد تهدد استقرار المسابقات القارية.
فالتراجع عن نتيجة نهائي، مهما كانت الملابسات، كان سيشكل سابقة خطيرة قد تُقوض مصداقية البطولات الإفريقية برمتها. غير أن هذا الموقف، في المقابل، يضع الكاف أمام مسؤولية مضاعفة في ما يتعلق بجودة التحكيم، والتواصل، وتدبير لحظات الشد العصبي التي ترافق المباريات الكبرى.
الأزمة كشفت، مرة أخرى، أن الإشكال لا يكمن فقط في العقوبات اللاحقة، بل في آليات الوقاية المسبقة. فنهائي بحجم كأس أمم إفريقيا كان يفترض أن يُدار بمنظومة تحكيمية وتواصلية محصنة ضد الشكوك، وقادرة على امتصاص الاحتجاجات داخل إطارها القانوني والرياضي، دون أن تنزلق إلى مشاهد الفوضى والتشنج.
كما أعادت هذه القرارات طرح سؤال الكيل بمكيال واحد داخل الكرة الإفريقية. فالرأي العام الرياضي لا يقيس العقوبات فقط بحجمها، بل أيضا بسياقها، وبمدى انسجامها مع سوابق مماثلة.
أي إحساس بغياب التناسق أو الانتقائية يظل كفيلا بتغذية الشعور بعدم الإنصاف، حتى وإن كانت القرارات مستندة إلى النصوص التنظيمية.
في المحصلة، نجح الكاف في فرض سلطته القانونية، لكنه لم ينجح بالكامل في إقناع الجميع بعدالة قراراته.
وهي معادلة تكشف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في إصدار العقوبات، بل في بناء ثقة دائمة مع الاتحادات والجماهير، عبر شفافية أكبر، وتطوير منظومة التحكيم، وتعزيز ثقافة الاحتكام إلى القانون بدل الاحتكام إلى الانفعال.
فالكرة الإفريقية، وهي تدخل مرحلة جديدة من الاحترافية والطموح العالمي، لم تعد تحتمل أزمات متكررة في أكبر واجهاتها. ونهائي كأس أمم إفريقيا يجب أن يكون احتفالا بالقارة، لا مرآة لاختلالاتها المؤسسية.





