Français
Español
English
الجمعة, 16 يناير 2026
13.1 C
Casablanca
اشترك

أحدث المقالات

حين تتحول الهزيمة إلى شماعة اتهام… كواليس مظلمة في تاريخ كرة القدم الجزائرية تعود إلى الواجهة

ليست كل الهزائم الرياضية مجرد أرقام على لوحة النتائج، فبعضها يفتح أبوابًا واسعة على خطابات انفعالية، ومحاولات للهروب إلى الأمام، بل وأحيانًا لإعادة كتابة الوقائع وفق منطق الاتهام بدل البحث عن الحقيقة. هذا ما أعادته إلى الواجهة موجة الجدل التي أعقبت إقصاء المنتخب الجزائري أمام نيجيريا في ربع نهائي كأس إفريقيا، حين تحوّل المغرب، الذي لم يكن طرفًا في المواجهة، إلى خصم افتراضي في الخطاب الإعلامي لبعض المنابر الجزائرية.

بدل التوقف عند الأداء الباهت أمام نيجيريا، اختار هذا الخطاب توجيه الاتهامات يمينًا ويسارًا، في مشهد أعاد إلى الأذهان ممارسات قديمة في التعاطي مع الإخفاقات، حيث يُستبدل التحليل الرياضي الهادئ بمنطق المؤامرة، ويُبحث عن خصم خارجي لتبرير الخسارة.

غير أن هذا السلوك الإعلامي يطرح سؤالًا أعمق: لماذا يُصرّ البعض على الهروب من مواجهة الذات، في حين أن تاريخ كرة القدم الجزائرية نفسه يحمل جراحًا إنسانية ورياضية لم تُفتح ملفاتها إلى اليوم؟

مأساة 2011… حين سبقت الحقيقة الخطاب

في سنة 2011، تناولت قنوات أجنبية ووسائل إعلام دولية واحدة من أفظع القضايا التي عرفتها الرياضة الإفريقية والعربية، قضية لم تكن مجرد “فضيحة رياضية”، بل مأساة إنسانية بكل المقاييس. آنذاك، خرج عدد من نجوم المنتخب الجزائري السابقين، أبطال مونديالي 1982 و1986، ليدقوا ناقوس الخطر حول ممارسات طبية مشبوهة رافقت تحضيرات المنتخب في الثمانينيات.

الحديث لم يكن عن نتائج أو ألقاب فقط، بل عن آثار صحية مدمرة طالت حياة لاعبين وأسرهم بعد الاعتزال، في واحدة من أكثر الكواليس ظلمة في تاريخ الكرة الجزائرية.

اتهامات بالمنشطات… وشهادات مؤلمة

خلال تلك الفترة، وبعد التتويج بأول لقب قاري، لجأ الاتحاد الجزائري – بحسب شهادات اللاعبين – إلى الاستعانة بطاقم طبي من الاتحاد السوفياتي السابق، في وقت كانت فيه بعض الدول الشرقية معروفة بتقدمها في مجال الطب الرياضي، لكن أيضًا بانتشار استعمال المنشطات.

عدد من اللاعبين الدوليين السابقين وجّهوا أصابع الاتهام إلى تلك المرحلة، معتبرين أن مواد منشطة قُدمت لهم دون علمهم، وأن آثارها ظهرت لاحقًا في شكل إعاقات خلقية لدى أبنائهم.

المهاجم الدولي السابق جمال مناد، أحد أبرز نجوم تلك الحقبة، قال بمرارة:

“لدي طفلة ولدت عام 1993 بإعاقة شديدة مرتبطة بعيب خلقي في الجمجمة، أدى إلى ضعف عضلي ونوبات صرع. من حقي أن أطرح الأسئلة، لأنني لست الوحيد، بل هناك عدد كبير من اللاعبين الذين عانوا من نفس الإشكال”.

من جهته، أكد المدافع الدولي السابق محمد شعيب الأمر ذاته، مشيرًا إلى وجود “شكوك جدية” حول العقاقير التي كان اللاعبون يستهلكونها خلال المعسكرات الإعدادية، مضيفًا:

“قررنا الحديث علنًا بعدما اكتشفنا أن ما لا يقل عن ثمانية لاعبين دوليين سابقين لديهم أطفال معاقون. نحن نريد الحقيقة فقط”.

أما لاعب الوسط السابق محمد قاسي السعيد، والد طفلة معاقة تبلغ من العمر 26 عامًا، فقد عبّر عن رغبته الصريحة في فتح تحقيق، قائلًا:

“لا أقول إننا كنا فئران تجارب، لكن الشك سيظل قائمًا طالما لم يُفتح تحقيق يكشف الحقيقة”.

صمت إعلامي… وملفات لم تُفتح

رغم خطورة هذه الشهادات، ظلّ الملف طيّ الصمت، ولم يُفتح تحقيق رسمي يرقى إلى حجم المأساة. هنا يبرز التناقض الصارخ: كيف يُسارع بعض الإعلام إلى توجيه اتهامات خارجية بعد كل إخفاق، بينما يتجاهل واحدة من أخطر القضايا الإنسانية في تاريخ الكرة الوطنية؟

المغرب… بين الواقع والخطاب

في المقابل، جاءت الاتهامات الأخيرة الموجهة للمغرب في سياق مغاير تمامًا للواقع، خاصة أن المملكة وفّرت، باعتراف عميد المنتخب الجزائري رياض محرز ومدربه، كل الظروف التنظيمية واللوجستية لإنجاح المنافسة، في إطار روح رياضية تشهد عليها الاتحادات والمنتخبات المشاركة.

بين الذاكرة والمسؤولية

إن استحضار هذه الكواليس المظلمة لا يهدف إلى النبش في الماضي بقدر ما يدعو إلى تحمّل المسؤولية الأخلاقية والإعلامية. فالهزيمة أمام نيجيريا شأن رياضي، أما تحويلها إلى منصة اتهام، فهو سلوك يُخفي عجزًا عن مواجهة الحقيقة.

ربما آن الأوان لأن يتوقف الخطاب عن البحث الدائم عن “العدو الخارجي”، وأن يُفتح النقاش الحقيقي حول القضايا التي تمس جوهر الرياضة: صحة اللاعبين، كرامتهم، وحقهم في الحقيقة، بدل استعمال الإعلام كأداة للهروب من الأسئلة الصعبة.

قد يعجبك ايضا