بينما تتجه أنظار الجماهير إلى النجوم داخل المستطيل الأخضر، وتقاس المباريات بعدد الأهداف والإثارة، تدور في الخفاء معركة أخرى لا تقل أهمية خلال نهائيات كأس أمم إفريقيا – المغرب 2025. معركة هادئة، علمية، تعتمد على الأرقام والتحليل الدقيق، يقودها مجموعة الدراسة التقنية التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، التي تُعد بمثابة العقل الاستراتيجي للبطولة.
قلب التحليل التقني النابض في الرباط
اتخذت مجموعة الدراسة التقنية مقرها بالرباط، الذي جرى تحويله إلى مركز عمليات متكامل لتحليل مجريات البطولة. وتضم هذه المجموعة 12 خبيرًا إفريقيًا في كرة القدم، تحت إشراف جايدة زكريا، مديرة مجموعة الدراسة التقنية بالكاف، وبرئاسة الخبير الدولي بلحسن ملوش.
مهمة هذه الخلية لا تقتصر على قراءة النتائج، بل تتعداها إلى تفكيك تفاصيل الأداء الجماعي والفردي، وتتبع التحولات التكتيكية، ورصد الاتجاهات الجديدة التي يرسم بها المدربون ملامح كرة القدم الإفريقية الحديثة.
التكنولوجيا في خدمة فهم اللعبة
بعيدًا عن الأساليب التقليدية، تعتمد مجموعة الدراسة التقنية على منظومة تكنولوجية متقدمة تشمل أدوات تحليل فيديو آنية، ومنصات إحصائية متطورة، وقواعد بيانات دقيقة للأداء البدني والتقني والتكتيكي. ويتم دمج هذه المعطيات بشكل يسمح بقراءة شمولية لكل مباراة، من حيث البناء الهجومي، التمركز الدفاعي، الضغط، والتحولات السريعة.
هذا العمل العلمي المتكامل يمنح البطولة بعدًا تحليليًا عميقًا، ويجعل من كأس أمم إفريقيا 2025 فضاءً لدراسة تطور اللعبة على مستوى القارة.
من غرف التحليل إلى قلب الملاعب
ولا يقتصر دور المجموعة على المتابعة من مراكز التحليل، إذ ينتقل عدد من أعضائها إلى المدرجات والمناطق التقنية داخل الملاعب، لمعاينة تفاصيل لا تلتقطها الكاميرات، مثل لغة الجسد، التواصل بين اللاعبين، ردود فعل المدربين، والتعديلات التكتيكية اللحظية.
هذا التكامل بين التحليل الرقمي والملاحظة الميدانية يضمن تقييمًا شاملًا ودقيقًا للأداء، ويمنح خلاصات أكثر واقعية وعمقًا.
أسماء وازنة تقود القراءة الفنية
تستمد مجموعة الدراسة التقنية مصداقيتها من قيمة الأسماء المنضوية تحت لوائها. من بينها المدرب السنغالي السابق أليو سيسي، بطل إفريقيا 2021 مع منتخب بلاده، والحالي مدربًا للمنتخب الليبي. سيسي يملك تجربة استثنائية في كأس العالم، لاعبًا سنة 2002، ومدربًا في نسختي 2018 و2022، كما سبق له الاشتغال ضمن مجموعة الدراسة التقنية لكأس العالم للأندية التابعة للفيفا.
ويرأس المجموعة الخبير التونسي بلحسن ملوش، المستشار التقني الإقليمي للفيفا منذ 2018، وصاحب تجربة تمتد لأكثر من عقدين في تطوير كرة القدم والعمل مع الفيفا والكاف والاتحاد الآسيوي. كما سبق له الإشراف التقني على عدة اتحادات وطنية، أبرزها تونس، التي تُوجت بكأس أمم إفريقيا سنة 2004.
ويمثل المغرب داخل هذه المجموعة جمال فتحي، المدير التقني الوطني والمسؤول عن التكوين بالجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وأحد أبرز مهندسي الإصلاح الهيكلي الذي شهده كرة القدم الوطنية، خاصة في مجالي تكوين الشباب وتأهيل المدربين وفق المعايير الدولية.
ما بعد البطولة… صناعة المستقبل
لا يتوقف عمل مجموعة الدراسة التقنية عند صافرة النهاية، بل يشكل قاعدة معرفية تُستثمر لاحقًا في تطوير برامج التكوين، وتحديث مناهج التدريب، وصياغة تصورات جديدة لأسلوب لعب إفريقي أكثر نجاعة وتوازنًا.
في ظل هذا العمل الهادئ والمنهجي، تتحول كان المغرب 2025 من مجرد بطولة قارية إلى مختبر استراتيجي تُرسم داخله ملامح كرة القدم الإفريقية في السنوات المقبلة، بعيدًا عن الضجيج، ولكن بأثر عميق ومستدام.






