زراعة الطحالب في الناظور: ابتكار بيئي في خدمة التنمية المستدامة

0 54

في قلب بحيرة مارتشيكا بإقليم الناظور، تبرز مبادرة فريدة من نوعها تعتمد على استغلال الموارد البحرية بطريقة مبتكرة ومستدامة، حيث أصبحت زراعة الطحالب، وخاصة الطحالب الحمراء، نشاطًا اقتصاديًا واعدًا يساهم في تعزيز التنمية المحلية والحفاظ على التوازن البيئي.

يعد هذا المشروع، الذي تشرف عليه تعاونية الصيد التقليدي بمارتشيكا، الأول من نوعه في إفريقيا، حيث يعكس توجهًا جديدًا لتنويع الاقتصاد البحري، من خلال تحويل الإمكانات البيئية للمنطقة إلى مصدر للدخل وخلق فرص عمل مستدامة.

نشاط بيئي واقتصادي واعد

تمر زراعة الطحالب البحرية بعدة مراحل دقيقة، تبدأ باختيار شتلات الطحالب من قبل المزارعين، ثم تثبيتها على خطوط مغمورة في الماء لتنمو بشكل طبيعي دون الحاجة إلى تدخلات صناعية أو مواد كيميائية.

وبعد أسابيع من المراقبة، يتم حصاد الطحالب يدويًا للحفاظ على جودتها، ثم غسلها وتجفيفها وفق معايير دقيقة لضمان احتفاظها بخصائصها الطبيعية. وتتميز هذه الزراعة بأنها صديقة للبيئة، كما توفر مادة أولية تستخدم في مجالات متنوعة، من الصناعات الغذائية والصيدلانية إلى مستحضرات التجميل.

دور محوري في التنمية الاجتماعية

إلى جانب فوائدها البيئية، ساهمت زراعة الطحالب في تحقيق إدماج اقتصادي لفئات جديدة، حيث لم يقتصر المشروع على الصيادين فقط، بل فتح المجال أيضًا للنساء للمشاركة في مراحل الإنتاج المختلفة، مما عزز دور الاقتصاد التضامني في دعم التنمية المحلية.

وقد استفادت التعاونية من دعم الصندوق العالمي للبيئة (FEM) الذي مكّنها من إطلاق مشروع “مزرعة الطحالب” عام 2014، وهو ما شكّل نقطة تحول نحو توسيع هذا النشاط البحري بالمغرب.

نمو سريع رغم التحديات

منذ إطلاق المشروع، شهدت زراعة الطحالب البحرية تطورًا ملحوظًا. ففي عام 2015، بدأت التعاونية بتجربة أولى على مساحة 1.5 هكتار، قبل أن تتوسع لاحقًا إلى 5 هكتارات بإنتاج بلغ 23 طنًا من الطحالب. وفي المرحلة الثالثة، وصلت المساحة المزروعة إلى 11 هكتارًا، مما رفع الإنتاج إلى 57 طنًا.

ورغم التحديات المناخية، خاصة ندرة الأمطار في السنوات الأخيرة، تمكن المشروع من الحفاظ على معدل إنتاج جيد، حيث بلغ الإنتاج الإجمالي في عام 2024 حوالي 30 طنًا، تم توجيهها إلى وحدات صناعية في القنيطرة، ما يؤكد الإمكانيات الاقتصادية الواعدة لهذا القطاع.

طلب متزايد في الأسواق الوطنية والدولية

تتميز الطحالب المزروعة في بحيرة مارتشيكا بجودتها العالية، مما يجعلها مادة أولية ذات قيمة اقتصادية كبيرة، حيث تُستخدم في العديد من الصناعات، مثل المستحضرات التجميلية، والصناعات الغذائية، والمنتجات الصيدلانية، وتلقى إقبالًا متزايدًا في الأسواق الوطنية والدولية.

ولتطوير هذا القطاع، أبرمت التعاونية شراكة مع وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات لإنشاء وحدة لتخزين وتثمين الطحالب، إلى جانب دعم جهات أخرى لتطوير أساليب وتقنيات العمل، مما سيمكن من توسيع المشروع، وزيادة عدد المستفيدين، وتحسين دخلهم.

نحو نموذج مستدام لمستقبل الاقتصاد الأزرق

مع النجاح المتزايد لهذا المشروع، أصبح نموذجًا يُحتذى به في مجال تربية الطحالب البحرية بإفريقيا، حيث يجمع بين الابتكار، والاستدامة، والتمكين الاقتصادي.

وإذا استمرت جهود التوسع وتحسين الإنتاج، فمن المتوقع أن تصبح زراعة الطحالب قطاعًا استراتيجيًا في الاقتصاد الأزرق بالمغرب، مما يعزز مكانة المملكة كمركز إقليمي لصناعات الطحالب البحرية والمنتجات البيئية المستدامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.