في مشهد رسمي لافت خلال تدشين مصنع منظومات الهبوط الجوي بالنواصر، اختار الملك محمد السادس جلباباً باللون الأرجواني. لم يكن الأمر مجرد تفصيل بروتوكولي أو اختيار جمالي عابر، بل بدا انسجاماً رمزياً مع لحظة صناعية تُؤسس لمرحلة جديدة في تموقع المغرب ضمن الصناعات التكنولوجية عالية الدقة.
الأرجواني… لون السيادة والامتداد التاريخي
يحمل اللون الأرجواني في الذاكرة الحضارية دلالات القوة والهيبة والسلطة الهادئة. تاريخياً ارتبط بالأسر الحاكمة وبالرمزية الإمبراطورية في حضارات البحر الأبيض المتوسط، كما يعكس توازناً بين قوة الأحمر وعمق الأزرق، أي بين الحزم والرؤية.
في السياق المغربي، يكتسب اللون بعداً إضافياً: فهو يعكس الامتداد التاريخي للدولة واستمرارية المؤسسة الملكية، وفي الوقت نفسه يواكب تحولات الدولة الحديثة نحو اقتصاد المعرفة والتكنولوجيا المتقدمة. اختيار الأرجواني في مناسبة صناعية دقيقة يبعث برسالة مفادها أن السيادة اليوم لا تُقاس فقط بالرمزية السياسية، بل أيضاً بالتموقع الصناعي والتكنولوجي.
تدشين مصنع منظومات الهبوط… خطوة في مسار استراتيجي
المناسبة التي ظهر فيها الملك محمد السادس بهذا الزي الرمزي لم تكن حدثاً عادياً. فقد أشرف على تدشين مصنع منظومات الهبوط الجوي التابع لمجموعة Safran عبر فرعها Safran Landing Systems، داخل المنصة الصناعية “ميدبارك” بإقليم النواصر.
المشروع، الذي يمتد على أكثر من 7 هكتارات باستثمار يقارب 280 مليون يورو، يُرتقب أن يصبح أكبر مركز عالمي لإنتاج منظومات الهبوط، وهي من أكثر مكونات الطائرات تعقيداً وحساسية من الناحية التكنولوجية والأمنية. كما يرتبط المصنع ببرنامج طائرات Airbus A320، ما يضع المغرب في صلب سلسلة قيمة عالمية استراتيجية.
من منصة إنتاج إلى شريك صناعي
خلال العقدين الماضيين، انتقل المغرب من مرحلة استقطاب الاستثمارات إلى مرحلة الاندماج العميق في شبكات القيمة العالمية. اليوم، لم يعد الحديث عن “الإنتاج في المغرب”، بل عن “الإنتاج مع المغرب”، بما يعكس شراكة استراتيجية قائمة على الثقة ونقل التكنولوجيا.
ويعزز هذا المشروع التموقع الصناعي للمملكة في قطاع الطيران، الذي يشغل حالياً حوالي 25 ألف شاب مغربي، مع توقع خلق 500 منصب مباشر إضافي عند انطلاق المصنع.
صناعة خضراء وسيادة تكنولوجية
أحد الأبعاد اللافتة في المشروع هو اعتماده على طاقة خالية من انبعاثات الكربون، ما ينسجم مع التوجه الوطني نحو انتقال طاقي مستدام. كما أن قرب المصنع من مواقع التجميع الأوروبية يقلص سلاسل الإمداد ويعزز مرونة الشبكات الصناعية.
في هذا السياق، يصبح اللون الأرجواني الذي ارتداه الملك محمد السادس رسالة بصرية مكثفة: سيادة هادئة، ثقة في الذات، وانتقال محسوب نحو اقتصاد تكنولوجي متقدم.
رمزية الشكل في لحظة المضمون
ليست الرمزية في السياسة ترفاً شكلياً، بل لغة موازية للقرارات الكبرى. في تدشين مصنع يشكل نقلة نوعية في الصناعة الجوية المغربية، بدا الأرجواني تعبيراً عن امتداد تاريخي يواكب تحولاً مستقبلياً.
هكذا، اجتمع الشكل والمضمون في لحظة واحدة: ملك يرتدي لون السيادة، ودولة تكرّس سيادتها الصناعية في واحد من أكثر القطاعات العالمية تعقيداً.







