يشكل إحداث الأكاديمية المغربية لمهن الطيران، وإسناد تدبيرها إلى شركة تابعة لـ«الخطوط الملكية المغربية»، خطوة نوعية في مسار هيكلة منظومة التكوين بقطاع الطيران، الذي أضحى أحد أعمدة الاستراتيجية الصناعية الوطنية.
ويأتي هذا الورش في سياق تصاعد الاستثمارات الصناعية الكبرى في المجال، وما يرافقها من حاجيات متنامية إلى كفاءات مؤهلة وفق المعايير الدولية.
وصادق مجلس الحكومة، يوم الخميس 8 يناير، على مشروع مرسوم يقضي بإحداث هذه المؤسسة التكوينية الجديدة، التي ستدار في إطار اتفاقية تدبير مفوض من طرف شركة أحدثتها «الخطوط الملكية المغربية». وفي هذا الإطار، أكد وزير الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والشغل والكفاءات، يونس السكوري، أن البناية المخصصة للأكاديمية بالنواصر جاهزة، وأن المعدات تم توفيرها، على أن يتم الشروع في العمل الفعلي خلال الربع الأول من سنة 2026.
واعتبر الوزير أن إحداث الأكاديمية يندرج ضمن «إعادة صياغة عميقة لحكامة التكوين في قطاع الطيران»، تقوم على توزيع واضح للأدوار بين مختلف الفاعلين.
وتضم المنظومة الوطنية حاليا سبعة معاهد، من بينها معهد «IMA» الذي يشرف عليه تجمع «GIMAS»، ومعهد «ISMALA» التابع لمكتب التكوين المهني وإنعاش الشغل، إضافة إلى الأكاديمية الجديدة، التي ستسهم، بحسب المعطيات الرسمية، في تكوين نحو ألف تقني وإطار سنويا في مرحلة أولى، مع قابلية الرفع من هذا الرقم مستقبلا.
وفي إطار هذه الهيكلة، سيتم نقل جزء من أنشطة معهد «ISMALA» إلى الأكاديمية، مع إعادة تحديد مهامها لتشمل مهنًا جديدة لم تكن مغطاة بالشكل الكافي ضمن العرض التكويني الوطني.
وستركز الأكاديمية بالأساس على تخصصات الصيانة والإصلاح والفحص (MRO)، التي تشهد ضغطا دوليا متزايدا على مستوى الكفاءات، في ظل منافسة قوية وهجرة للخبرات نحو أسواق أكثر جاذبية، خاصة بأمريكا الشمالية.
وأوضح الوزير أن تحدي الصيانة أصبح محوريا بالنسبة لشركات الطيران والمصنعين على حد سواء، مشددا على أن المشاريع الصناعية الكبرى المرتقبة بالمغرب، سواء من طرف «سافران» أو «إيرباص» أو غيرهما من الفاعلين، لم يعد بإمكانها الاعتماد فقط على استقطاب الكفاءات من الخارج، بل يتعين بناء عرض وطني قوي ومطابق للمعايير الدولية، ولاسيما معايير المنظمة الدولية للطيران المدني «OACI».
وستوفر الأكاديمية عرضا تكوينيا متكاملا يغطي مختلف المستويات، من التكوينات التأهيلية للإدماج، التي تمتد بين ثلاثة وسبعة أشهر لفائدة الحاصلين على مستوى الإعدادي، إلى تكوينات التقني المتخصص لمدة 24 شهرا لفائدة الحاصلين على البكالوريا، إضافة إلى برامج التكوين المستمر لفائدة العاملين بالقطاع.
كما ستشمل تخصصات دقيقة، من بينها تشغيل آلات التحكم الرقمي، والمعالجة السطحية والحرارية، واللوجستيك المطاري، وهياكل الطائرات والمواد المركبة، ولحام الطيران، وصباغة وعزل الطائرات، إلى جانب أعوان الاستغلال التجاري، وهي مجالات ظلت إلى وقت قريب غير مغطاة إلا بشكل محدود رغم أهميتها في تنافسية القطاع.
ويأتي إطلاق هذه الأكاديمية في سياق توسع غير مسبوق لـ«الخطوط الملكية المغربية»، التي تسير حاليا أسطولا يضم نحو 60 طائرة، وتطمح إلى بلوغ 200 طائرة في أفق سنة 2037، ما يخلق طلبا كبيرا على قدرات الصيانة والكفاءات المتخصصة.
كما يتزامن المشروع مع الاستثمارات الاستراتيجية لمجموعة «Safran»، التي توجت مؤخرا بتدشين ملكي لمصنعين جديدين، ما من شأنه مضاعفة رقم معاملات القطاع من ملياري دولار إلى أربعة مليارات دولار، بفضل تجميع 350 محركا سنويا من الجيل الجديد «LEAP» الموجهة لشركات مثل «بوينغ» و«إيرباص».
وإلى جانب البعد التكويني، تقوم الإصلاحات على هندسة جديدة للحكامة، عبر إحداث لجنة قطاعية لليقظة يرأسها وزير الشغل والكفاءات، وتضم وزارة الصناعة والفاعلين المهنيين ومؤسسات التكوين.
وستعنى هذه اللجنة باستشراف حاجيات الموارد البشرية، وتخصيص المعاهد حسب المهن، وتحيين المناهج الدراسية بشكل مستمر وفق المخططات الصناعية، سواء في مجال التصنيع أو الصيانة.
وبحسب يونس السكوري، فإن هذه الحكامة الجديدة تنسجم مع التوجيهات الملكية التي تضع الاستثمار المنتج في صلب النموذج التنموي، مؤكدا أن «الاستثمار لا يمكن أن ينجح دون موارد بشرية مؤهلة»، وأن ملاءمة الكفاءات مع الطموح الصناعي للمملكة تمثل شرطا أساسيا لترسيخ التنافسية.
وهكذا، يضع المغرب، من خلال إحداث الأكاديمية المغربية لمهن الطيران، لبنة هيكلية لتعزيز حضوره في سلاسل القيمة العالمية لقطاع الطيران، وتقوية تنافسيته الصناعية على أسس مستدامة.






