بعد أيام قليلة من عبور المنخفض الجوي «ليوناردو»، يستعد المغرب لاستقبال منخفض أطلسي جديد يحمل اسم «مارتا». وبين أهمية التساقطات المطرية المسجلة ومخاطر الفيضانات المحلية، يبرز تحدي التدبير الاستباقي للموارد المائية. الخبير في المناخ والتنمية المستدامة، محمد بنعبو، يوضح خصائص هذه العاصفة، وحدود خطورتها، والمناطق الأكثر عرضة للتأثير.
استقرار مؤقت يعقبه منخفض أطلسي عميق
عقب مرور المنخفض الجوي «ليوناردو»، شهدت المملكة، يوم الجمعة وصبيحة اليوم الموالي، حالة من الاستقرار النسبي، تخللتها تساقطات خفيفة ومتفرقة. غير أن هذا الهدوء لم يدم طويلًا، إذ تشير المعطيات الجوية إلى اقتراب منخفض جوي جديد وعميق يتمركز في عمق المحيط الأطلسي، ويحمل اسم «مارتا»، مع امتدادات قوية ذات تأثير شمالي غربي.
هذا المنخفض، حسب الخبير محمد بنعبو، يُعد جزءًا من السلسلة الشتوية للأطلسي الشمالي، ويُنتظر أن يؤثر أساسًا على شمال وشمال غرب المملكة خلال الساعات والأيام المقبلة.
أمطار مهمة… وتحديات في التدبير
وقد استقبل المغرب بالفعل كميات مهمة من الأمطار، خاصة بالمناطق الشمالية، ولا سيما جبال الريف، ما انعكس إيجابًا على الواردات المائية بعدد من السدود. غير أن هذه التساقطات، رغم أهميتها في ظل الإجهاد المائي، تطرح في الآن ذاته تحديات تقنية دقيقة مرتبطة بتدبير الحقينات والتحكم في الصبيب.
ويشير بنعبو إلى أن توزيع الأمطار لا يتم بشكل متجانس على المستوى الوطني، إذ تُسجل فروقات واضحة بين الشمال الغربي ومناطق داخلية مثل تاونات وشفشاون، ما يستدعي مقاربات تدبيرية محلية ومتكيفة مع خصوصيات كل حوض مائي.
يقظة مرتفعة أسفل السدود والأحواض الحساسة
تسجل أعلى مستويات اليقظة ببعض الأحواض المائية، خصوصًا بالمناطق الواقعة أسفل سد الوحدة، حيث رُصد ارتفاع في منسوب المياه بعدد من الجماعات القروية. وتكتسي هذه المناطق أهمية استراتيجية، نظرًا لدورها في حماية المدن المجاورة من مخاطر الفيضانات.
ولهذا السبب، يتم اللجوء إلى تفريغ كميات مضبوطة من المياه من السدود، وفق بروتوكولات تقنية دقيقة، توازن بين الحفاظ على المخزون المائي وضمان سلامة الممتلكات والأرواح، مع الاستعداد لاستقبال واردات إضافية محتملة خلال الأيام المقبلة.
سد الوحدة تحت الضغط… واحتمال فيضانات محلية
على مستوى سد الوحدة، سُجل ارتفاع ملحوظ في منسوب المياه خلال الأيام الأخيرة، بالتوازي مع تساقطات مهمة شملت الشمال الغربي وبعض الأقاليم المجاورة. ويُحذر الخبير من احتمال تسجيل فيضانات محلية في بعض المناطق، نتيجة تشبع التربة وارتفاع صبيب الأودية، خاصة في الأحواض المعروفة بحساسيتها الهيدرولوجية.
هل «مارتا» أخطر من «ليوناردو»؟
بخصوص شدة العاصفة، كانت بعض التوقعات الأولية تشير إلى إمكانية تسجيل أمطار غزيرة قد تصل إلى 50 ملم، مصحوبة بزخات رعدية ورياح قوية. غير أن المعطيات المحينة، وفق محمد بنعبو، تُظهر أن المنخفض «مارتا» لن يكون أكثر حدة من «ليوناردو».
وتشير المؤشرات الحالية إلى أن كميات الأمطار المتوقعة وسرعات الرياح ستكون أقل مما كان يُخشى في البداية، مع بقاء الحذر واجبًا في المناطق المعرضة تاريخيًا للفيضانات.
لماذا تُسمّى العواصف بأسماء مثل «مارتا»؟
يوضح بنعبو أن تسمية العواصف تخضع لنظام أوروبي مشترك، تشارك فيه عدة دول، من بينها إسبانيا والبرتغال وفرنسا ولوكسمبورغ. ويتم اعتماد أسماء موحدة للمنخفضات الأطلسية التي يُحتمل أن يكون لها تأثير على الأرواح والممتلكات، بهدف تسهيل التواصل والتحذير المبكر بين الدول والسلطات المختصة.
تركيز خاص على أحواض اللوكوس وسبو
ينصب الاهتمام أساسًا على المناطق الشمالية الغربية، المعروفة بقابليتها لحدوث الفيضانات، خاصة على مستوى أحواض أنهار اللوكوس وسبو، التي شهدت في فترات سابقة أحداثًا مشابهة. ورغم المخاطر المحتملة، فإن امتلاء هذه الأحواض يُسهم في تحسين الوضعية المائية الوطنية على المدى المتوسط.
تعبئة استباقية ومراقبة مستمرة
وبفضل التنسيق المستمر بين مختلف المتدخلين، بما في ذلك السلطات المحلية، ومصالح الوقاية المدنية، والقوات المسلحة الملكية، تم اتخاذ إجراءات استباقية لحماية الساكنة والممتلكات.
ويؤكد الخبير أن الوضع يظل تحت المراقبة الدقيقة، في انتظار ما ستكشف عنه التطورات المناخية خلال الأسبوع المقبل، في سياق مناخي يتسم بتزايد حدة الظواهر المتطرفة، ما يفرض تعزيز الجاهزية واليقظة المستمرة.







