عرفت الصادرات المغربية تحولاً هيكلياً خلال العقدين الأخيرين، بعدما انتقلت من الاعتماد أساساً على الفوسفاط والمنتجات الفلاحية إلى الارتكاز على قطاعات صناعية ذات قيمة مضافة عالية، في مقدمتها صناعة السيارات والطيران والإلكترونيات والصناعات الكهربائية والغذائية والكيماوية، في إطار استراتيجية صناعية عززت تنافسية المملكة في الأسواق الدولية.
وتشير معطيات حديثة صادرة عن مكتب الصرف إلى أن قطاع صناعة السيارات واصل تصدره قائمة القطاعات المصدرة خلال سنة 2025، بعدما تجاوزت صادراته 154 مليار درهم، متقدماً على صادرات الفوسفاط ومشتقاته، ومؤكداً مكانته كأبرز محرك للصادرات المغربية.
ويعكس هذا التطور التحول الذي شهده النسيج الإنتاجي الوطني، نتيجة سياسات صناعية متواصلة انطلقت مع مخطط الإقلاع الصناعي سنة 2005، وتواصلت عبر مخطط التسريع الصناعي والميثاق الجديد للاستثمار، الذي يراهن على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز سلاسل الإنتاج المحلية، والرفع من نسبة الإدماج الصناعي.
وفي هذا السياق، أوضح الخبير الاقتصادي خالد القباج، في تصريح لمجلة Finances News، أن هذا التحول لم يكن نتيجة ظرفية، بل ثمرة رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ارتكزت على الاستقرار المؤسساتي، وتحسين مناخ الأعمال، والاستثمار في البنيات التحتية، إلى جانب توجيه السياسة الصناعية نحو قطاعات عالمية ذات قدرة عالية على استقطاب المستثمرين.
ويبرز قطاع صناعة السيارات كأحد أبرز نماذج هذا التحول، إذ شكل إنشاء مصنع مجموعة Renault بطنجة نقطة انطلاق لبناء منظومة صناعية متكاملة، قبل أن تعزز مجموعة Stellantis هذا التوجه بإقامة وحدتها الإنتاجية بالقنيطرة، ما شجع عشرات الشركات العالمية المتخصصة في مكونات السيارات على الاستثمار بالمغرب.
ولم يقتصر التطور على تجميع المركبات، بل شمل تصنيع مكونات متعددة، من بينها الأسلاك الكهربائية، والمحركات، ولوحات القيادة، والمقاعد، والأنظمة الإلكترونية، والزجاج، والإطارات، والتجهيزات المعدنية والبلاستيكية، الأمر الذي رفع نسبة الإدماج المحلي إلى نحو 69 في المائة، وساهم في تعزيز القيمة المضافة للصناعة الوطنية.
وبموازاة ذلك، رسخ قطاع الطيران مكانته كأحد القطاعات الصناعية الواعدة، بعدما أصبح يحتضن منظومة متكاملة تضم مئات المقاولات المتخصصة في تصنيع أجزاء الطائرات والمحركات والأنظمة الكهربائية والمواد المركبة، لفائدة كبريات الشركات العالمية.
كما واصلت قطاعات الإلكترونيات والصناعات الكهربائية والكيماوية والدوائية والغذائية ومواد البناء والطاقات المتجددة توسيع مساهمتها في الصادرات، في إطار سياسة تستهدف تنويع القاعدة الإنتاجية وتقليص الاعتماد على القطاعات التقليدية.
ويرى القباج أن هذا التنوع الصناعي منح الاقتصاد المغربي قدرة أكبر على مواجهة التقلبات والأزمات الدولية، مشيراً إلى أن تداعيات جائحة كوفيد-19 أبرزت أهمية امتلاك قاعدة إنتاجية وطنية قوية، ورسخت مفهوم السيادة الصناعية كأحد المرتكزات الأساسية للاستراتيجية الاقتصادية للمملكة خلال السنوات الأخيرة.



