«لا تعطِ حمامة السلام لشخص جائع». هذا القول المأثور، بوقعه الصادم والضروري، يذكرنا بحقيقة جوهرية في الاقتصاد السياسي: استقرار الأمم لا يُقرر بالخطابات أو الرموز المجردة، بل يُبنى داخل الورشات، والمناطق الصناعية، والمنظومات الإنتاجية المتكاملة.
في عالم تتقاذفه أزمات التضخم واختلال سلاسل الإمداد، لم يعد “السلم” مجرد غياب للنزاعات، بل صار مرادفاً لـ “السيادة”. فبالنسبة للمواطن، يتجسد السلم في “الأمن الغذائي”، و”العمل اللائق”، و”القدرة الشرائية”. وبدون هذه الركائز، تظل حمامة السلام مجرد سراب.
من الرمزية إلى الواقع الصناعي
لقد أدرك المغرب هذه المعادلة جيداً؛ فبتوجيهات ملكية سامية، اختارت المملكة عدم الاكتفاء بوعود النمو، بل اتجهت نحو تشييد بنية تحتية ملموسة. فكل مصنع للسيارات في طنجة، وكل خط إنتاج لصناعة الطيران في النواصر، وكل مشروع لـ “المصانع العملاقة” (Gigafactories) لبطاريات السيارات الكهربائية، هو رد عملي ومباشر على الاحتياجات الاجتماعية.
إن الصناعة ليست مجرد أرقام معاملات أو صادرات؛ بل هي الدرع الواقي الأخير ضد الهشاشة. فمن خلال خلق قيمة مضافة محلية، يحول المغرب التبعية إلى استقلال، والشك إلى استقرار مستدام.
رسالة إلى صناع القرار
إن الاستثمار في الصناعة هو استثمار في “العقد الاجتماعي”. وفي الوقت الذي نعالج فيه بـ “صناعة المغرب” ملفات إزالة الكربون أو الذكاء الاصطناعي، يجب ألا تغيب عن أعيننا الغاية الأسمى: الإنسان.
إن حمامة السلام الحقيقية في القرن الحادي والعشرين لا تحمل غصن زيتون، بل تحمل مهارات تكنولوجية، وبراءات اختراع، وفرص شغل للشباب. ففي نهاية المطاف، يظل الرخاء المشترك هو الضمان الوحيد لسلم لا يتزعزع.






