في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، عادت مخاوف ارتفاع أسعار الوقود إلى الواجهة، خاصة في الدول الإفريقية المستوردة للمنتجات البترولية.
وخلال فترة وجيزة لم تتجاوز عشرين يوماً، سجلت عدة دول زيادات ملحوظة، بل حادة أحياناً، في أسعار البنزين والديزل، في مشهد يعيد إلى الأذهان تداعيات الأزمة الروسية-الأوكرانية.
وعلى مستوى العوامل المفسرة، يرتبط هذا الارتفاع أساساً باضطراب سلاسل الإمداد العالمية، نتيجة الإغلاق شبه الكامل لـمضيق هرمز، الذي يمر عبره أكثر من 20% من النفط العالمي.
كما ساهمت قرارات كبرى شركات الشحن بتحويل مساراتها بعيداً عن قناة السويس في إطالة آجال التسليم ورفع تكاليف النقل نحو أوروبا، ما زاد الضغط على المصافي والأسواق.
أما على صعيد الأسواق النفطية، فقد قفز سعر خام برنت من 61 دولاراً مطلع السنة إلى نحو 109.8 دولارات في 20 مارس، أي بزيادة تقارب 80%، وهو ارتفاع يرتبط بشكل مباشر بتداعيات الحرب.
وينعكس هذا الارتفاع بشكل شبه فوري على أسعار الوقود، باستثناء الدول التي تعتمد سياسات دعم حكومي لتخفيف العبء عن المستهلكين.
وفي ما يتعلق بالتأثيرات القارية، يظل وقع الأزمة متفاوتاً بشكل كبير بين الدول الإفريقية، حيث يظهر تباين حاد في الأسعار.
ففي حين تستفيد الدول المنتجة للنفط من أسعار منخفضة بفضل الدعم، تعاني الدول المستوردة من ارتفاعات قياسية. ويبرز هذا التباين بشكل لافت، إذ يعادل سعر لتر البنزين في ملاوي أكثر من مئة ضعف نظيره في ليبيا.
وبالاستناد إلى المعطيات الإحصائية، تكشف بيانات منصة “أسعار البنزين العالمية” أن أدنى الأسعار تُسجل في الدول المنتجة، مثل ليبيا وأنغولا والجزائر ومصر، بينما تتصدر ملاوي قائمة الدول الأعلى تكلفة، متجاوزة بكثير المتوسط العالمي. كما تُسجل دول أخرى مثل السنغال وزيمبابوي وسيراليون مستويات مرتفعة نسبياً.
ومن زاوية تحليلية، يعزى هذا التفاوت إلى عدة عوامل، أبرزها اعتماد بعض الدول على الاستيراد، وغياب قدرات التكرير، إلى جانب السياسات الضريبية. ففي العديد من البلدان، تشكل الضرائب والرسوم الجزء الأكبر من سعر الوقود النهائي، متجاوزة أحياناً نصف السعر.
وفي السياق نفسه، يُعد سعر الوقود في المغرب مثالاً على تأثير الضرائب، حيث تساهم الرسوم الداخلية على الاستهلاك والضريبة على القيمة المضافة بشكل كبير في تحديد السعر النهائي، ما يجعل تكلفة الوقود مرتبطة جزئياً بتقلبات الأسعار الدولية.
وفي المقابل، ورغم أن دعم الوقود يساهم في الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي في بعض الدول المنتجة، إلا أنه يحمل آثاراً سلبية، من بينها ارتفاع الاستهلاك وهدر الموارد الطاقية، فضلاً عن الضغط على الميزانيات العمومية.
أما في الدول ذات الأسعار المرتفعة، فتعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة وتتحمل تكاليف إضافية تشمل النقل والضرائب وسعر الصرف، خاصة مع ارتفاع الدولار في فترات التوترات الجيوسياسية، ما يزيد من كلفة الاستيراد.
ومن حيث الانعكاسات الاقتصادية، لا يقتصر تأثير ارتفاع أسعار الوقود على قطاع الطاقة فقط، بل يمتد إلى مختلف الأنشطة، حيث يؤدي إلى زيادة تكاليف النقل، ومن ثم ارتفاع أسعار السلع والخدمات، مما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين.
في ضوء هذه المعطيات، تكشف أزمة الطاقة الحالية عن هشاشة النموذج الطاقي في العديد من الدول الإفريقية، خاصة غير المنتجة للنفط، كما تبرز الحاجة الملحة إلى تسريع الانتقال نحو الطاقات المتجددة. فتنويع مصادر الطاقة لم يعد خياراً استراتيجياً فقط، بل ضرورة لضمان الأمن الطاقي وتقليل التعرض للصدمات الجيوسياسية العالمية.







