بدأت تداعيات التوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط تلقي بظلالها على قطاع النقل الجوي العالمي، في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار النفط، ما يعزز المخاوف من موجة جديدة لارتفاع أسعار تذاكر الطيران، خاصة على الرحلات الطويلة.
فمع تجاوز سعر برميل النفط مستوى 100 دولار، تواجه شركات الطيران تحديات متزايدة مرتبطة بارتفاع كلفة الوقود، الذي يعد من أبرز مكونات التكاليف التشغيلية. ويرجح أن تنعكس هذه الضغوط تدريجياً على أسعار التذاكر، لا سيما في الرحلات العابرة للقارات الأكثر استهلاكاً للكيروسين.
وفي هذا السياق، أعلنت مجموعة الطيران الفرنسية-الهولندية إير فرانس-كي إل إم عن رفع أسعار بعض الرحلات الطويلة، موضحة أن الزيادة قد تصل إلى نحو 50 يورو ذهاباً وإياباً في الدرجة الاقتصادية.
كما اتجهت شركات أخرى إلى فرض رسوم إضافية مرتبطة بأسعار الوقود، من بينها SAS الإسكندنافية وكاثاي باسيفيك وإير إنديا وكوانتاس الأسترالية، حيث قد تصل هذه الرسوم في بعض الحالات إلى عشرات اليوروهات لكل تذكرة على الرحلات البعيدة.
في المقابل، تتبنى بعض شركات الطيران الأوروبية مقاربات أكثر تحفظاً. ففي بلجيكا، أكدت المديرة العامة لشركة Brussels Airlines، دوروتيا فون بوكسبرغ، أن الشركة تعتمد سياسة شراء مسبق للوقود عبر مجموعتها الأم لوفتهانزا، تغطي نحو 80 في المائة من احتياجاتها لسنة 2026، ما يمنحها هامش حماية من تقلبات الأسعار.
ومن جانبها، أفادت شركة TUI fly البلجيكية بأن مستوى التحوط لديها في ما يخص الوقود يظل “جيداً جداً” خلال السنة الجارية، مشيرة إلى أنها لا تتوقع في الوقت الراهن فرض رسوم إضافية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.
وتعتمد العديد من شركات الطيران الأوروبية على آليات التحوط (Hedging)، التي تقوم على شراء الوقود مسبقاً بأسعار محددة لفترات تمتد أحياناً لعدة أشهر أو سنوات، بما يحد من تأثير التقلبات المفاجئة في الأسواق النفطية.
ويرى خبراء أن شركات الطيران في أوروبا تميل إلى اعتماد مستويات أعلى من التحوط مقارنة ببعض نظيراتها في أمريكا الشمالية، التي تعتمد بشكل أكبر على الأسعار الفورية في السوق.
وتبرز مجموعات كبرى مثل لوفتهانزا ضمن الشركات الأكثر استعداداً لمواجهة موجة ارتفاع أسعار الوقود، إلى جانب عدد من شركات الطيران منخفضة التكلفة في أوروبا، من بينها easyJet وRyanair وWizz Air، التي تعتمد بدورها سياسات صارمة لضبط التكاليف.
ويأتي هذا الوضع في وقت تسود فيه حالة من الترقب في أسواق الطاقة العالمية، على خلفية المخاوف من اتساع رقعة التوترات في الشرق الأوسط، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أسعار النفط وسلاسل الإمداد.
ويرجح محللون أن استمرار الأسعار المرتفعة لفترة مطولة سيدفع عدداً أكبر من شركات الطيران إلى تحميل جزء من تكاليف الوقود للمسافرين، خاصة في الرحلات الطويلة التي تظل الأكثر استهلاكاً للطاقة.
غير أن تأثير هذه الزيادات يبقى رهيناً بعدة عوامل، من بينها تطورات الأوضاع الجيوسياسية، واستقرار أسواق الطاقة، فضلاً عن دينامية الطلب العالمي على السفر الجوي.
ومع اقتراب موسم السفر الصيفي في أوروبا، يترقب الفاعلون في القطاع مسار أسعار النفط خلال الأشهر المقبلة، باعتبارها عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه أسعار التذاكر ومستوى الإقبال على السفر خلال ما تبقى من سنة 2026.







