أحدث المقالات

“سوبر إل نينيو” 2026–2027: ظاهرة مناخية استثنائية بعواقب عالمية

تتشكل في المحيط الهادئ ظاهرة “إل نينيو” بكثافة استثنائية، وقد تصبح الأقوى منذ عام 1950، ما أكسبها ألقاب “سوبر إل نينيو” أو “نينيو غودزيلا”. ويحذر العلماء من مخاطر كبرى: موجات حر أشد، جفاف، فيضانات، وما يصل إلى 451 ألف وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة بحلول فبراير 2027.

وفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية (OMM)، فإن “إل نينيو” ترسخت منذ منتصف 2026، ومن المتوقع أن تستمر في التعزز حتى بلوغ كثافة عالية جداً مع نهاية السنة، مع ذروة متوقعة أواخر 2026.

وتشير التوقعات إلى احتمال قريب من 100% بأن تستمر الظاهرة حتى فبراير 2027، دون عودة سريعة إلى ظروف محايدة أو إلى “لا نينيا”.

وتقدّر الإدارة الوطنية الأمريكية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) أن هناك أكثر من 90% من الاحتمالات أن تبلغ الحلقة فئة “قوية جداً” هذا الخريف والشتاء، و75% من الاحتمالات أن يصل مؤشر المحيطات لـ”إل نينيو” (RONI) إلى +2,5 درجة مئوية أو أكثر بين أكتوبر وديسمبر 2026، وهو مستوى قد يتجاوز، إذا تأكد، جميع الحلقات المسجلة منذ 1950.

ما يصل إلى 451 ألف وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة

وبعيداً عن الكثافة المناخية، يتوقع باحثون في “مختبر التأثير المناخي” (Climate Impact Lab) حدوث حوالي 451 ألف وفاة إضافية مرتبطة بالحرارة عبر العالم بين يونيو 2026 وفبراير 2027، مقارنة بسنة عادية.

وبين شتنبر 2026 وفبراير 2027 فقط، يُقدَّر العدد بحوالي 239 ألف وفاة إضافية، بهامش عدم يقين ±11 ألفاً.

ويتعلق الأمر بـوفيات إضافية إحصائية مرتبطة بدرجات الحرارة، محسوبة انطلاقاً من التوقعات الفصلية ومن العلاقة بين الحرارة والوفيات في أكثر من 24 ألف منطقة حول العالم.

الجنوب العالمي في الخط الأمامي

الدول الأكثر تضرراً يُتوقع أن تكون دول الجنوب العالمي، التي تواجه أصلاً انعدام الأمن الغذائي، وضعف أنظمة الرعاية الصحية، وارتفاع تكاليف الطاقة.

ووفقاً للتقديرات التي أوردتها عدة وسائل إعلام، ستتصدر نيجيريا القائمة، تليها إندونيسيا والسودان، بينما ستكون منطقة الساحل أيضاً شديدة التعرض.

كما تظهر الولايات المتحدة وبعض مناطق أمريكا اللاتينية وجنوب آسيا وإفريقيا جنوب الصحراء ضمن المناطق التي قد تكون فيها الوفيات الإضافية المرتبطة بالحرارة مرتفعة.

تأثيرات مناخية متسلسلة

“إل نينيو” هو الطور الدافئ لظاهرة “إل نينيو–التذبذب الجنوبي” (ENSO). ويحدث عندما تسجل مياه سطح وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي درجات حرارة أعلى من المعتاد، ما يغير الدوران الجوي على نطاق واسع.

وتنتشر هذه الاضطرابات عبر “اتصالات عن بُعد” مناخية، مؤثرة في أنماط الحرارة والتساقطات بعيداً عن المحيط الهادئ.

وتشمل التأثيرات النموذجية لـ”إل نينيو” قوي جداً:

  • موجات حر أشد وأطول في العديد من المناطق المدارية وشبه المدارية.
  • زيادة خطر الجفاف في بعض المناطق (جنوب شرق آسيا، أستراليا، الجنوب الأفريقي).
  • تساقطات مطرية قصوى ومخاطر فيضانات في مناطق أخرى (بعض مناطق أمريكا الجنوبية، القرن الأفريقي).
  • ضغط إضافي على الزراعة والأمن الغذائي والموارد المائية والبنى التحتية.
ظاهرة تتفاقم بفعل التغير المناخي

ويشدد الخبراء على أن “سوبر إل نينيو” هذا يحدث في سياق احترار مناخي ناتج عن الأنشطة البشرية، مع درجات حرارة محيطية عالمية عند مستويات قياسية أصلاً.

ويجمع بين “إل نينيو” قوي جداً والتغير المناخي، ما يزيد خطر:

  • أرقام قياسية جديدة للحرارة على المستوى العالمي.
  • أحداث قصوى أكثر تكراراً وشدة (موجات حر، جفاف، أمطار غزيرة).
  • تداعيات سوسيو-اقتصادية كبرى (الزراعة، أسعار المواد الغذائية، الصحة العامة، الطاقة).
هل يمكن الحد من الأضرار؟

ويذكّر العلماء بأنه لا يمكن “إيقاف” إل نينيو، كظاهرة مناخية طبيعية، لكن التأهب الأفضل والسياسات المناخية الملائمة يمكن أن تقلل من آثارها.

ومن بين التدابير المقترحة:

  • تعزيز أنظمة الإنذار المبكر (موجات الحر، الجفاف، الفيضانات).
  • وضع خطط وطنية ومحلية لـإدارة الحر الشديد (مراكز مبردة، تكييف أوقات العمل، حماية الفئات الهشة).
  • الاستثمار في التكيف مع المناخ (تدبير المياه، زراعة مرنة، بنى تحتية ملائمة).
  • تنسيق دولي لدعم البلدان الأكثر تعرضاً، خصوصاً عبر تمويلات المناخ وتبادل التكنولوجيا.
تركيز: ما المخاطر على المغرب أمام “سوبر إل نينيو”؟

بالنسبة للمغرب، فإن تأثير “إل نينيو” هو أكثر غير مباشر منه في المناطق المدارية، لكنه يندرج في سياق يتسم أصلاً بـإجهاد مائي هيكلي، وموجات جفاف متكررة، وتعرض متزايد لموجات الحر.

تأثير مناخي غير مباشر لكنه حقيقي

في حوض البحر المتوسط وشمال إفريقيا، تمر تأثيرات “إل نينيو” عبر تعديلات في الدوران الجوي (التيار النفاث، المرتفعات الجوية، أنظمة الضغط)، يمكن أن تؤثر في:

  • أنماط التساقطات المطرية الشتوية والربيعية.
  • تكرار وشدة موجات الحر صيفاً وبداية الخريف.
  • التغيرية بين السنوات للمواسم الفلاحية.

ولا تتيح التوقعات الفصلية الجزم بما إذا كان “إل نينيو” سيؤدي إلى شتاء أكثر جفافاً أو أكثر مطراً من المعتاد في المغرب، لكنها تعزز احتمال تغيرية أكبر وأحداث قصوى (فترات جفاف مطولة، أمطار غزيرة مركزة في فترات قصيرة).

بلد يعيش أصلاً إجهاداً مائياً متقدماً

يعرف المغرب منذ عدة سنوات جفافاً متعدد المواسم، مع:

  • تساقطات أقل من المعدل في العديد من المواسم الفلاحية.
  • مستويات ملء السدود أحياناً حرجة، رغم تدشين سدود جديدة.
  • ضغط متزايد على الفرشات المائية الجوفية، خصوصاً في المناطق المسقية.

وفي هذا السياق، فإن أي حلقة مناخية قد تقلل التساقطات النافعة أو تطيل الموسم الجاف، تزيد من الإجهاد المائي وتضع الزراعة والماء الصالح للشرب والإنتاج الكهرومائي تحت الضغط.

موجات الحر والصحة العمومية

المغرب معرض أصلاً لـموجات حر صيفية أكثر تكراراً وشدة، في سياق احترار مناخي.

ويمكن لـ”سوبر إل نينيو” قوي أن:

  • يطيل أو يشتد فترات الحر الشديد صيفاً وبداية الخريف.
  • يزيد المخاطر على الفئات الهشة (كبار السن، الأطفال، العاملون في الخارج).
  • يرفع الطلب على التكييف والطاقة، مع انعكاسات على فواتير الأسر وذروة الاستهلاك الكهربائي.

وبالتالي تصبح تدابير إدارة الحر (إنذارات مبكرة، تكييف أوقات العمل، مراكز مبردة، حملات تحسيس) استراتيجية، خصوصاً في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية.

الفلاحة والأمن الغذائي

الفلاحة المغربية، التي لا تزال تعتمد كثيراً على الأمطار والري من السدود والفرشات، حساسة جداً للتقلبات المناخية.

و“إل نينيو” قوي جداً يمكن أن:

  • يغير توقيت الأمطار وتوزيعها المجالي.
  • يزيد العجز في مياه الري في بعض المناطق.
  • يرفع تكاليف الإنتاج (ضخ أعمق، لجوء أكبر لتحلية المياه، نقل المياه).

وعلى المستوى الوطني، يترجم ذلك في مخاطر على:

  • محاصيل الحبوب والأعلاف.
  • استقرار أسعار المواد الأساسية.
  • الأمن الغذائي للأسر الأكثر فقراً، المتضررة أصلاً من التضخم.
فرص وروافع للتكيف

أمام هذا السياق، يتوفر المغرب على عدة روافع لـتخفيف آثار “سوبر إل نينيو”:

  • التدبير المندمج للمياه: مواصلة برامج السدود، تحويلات المياه، تحلية البحر، إعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، تحديث أنظمة الري.
  • فلاحة مرنة: أصناف مقاومة للجفاف، ممارسات إيكولوجية، تقليل الفاقد بعد الجني، تنويع الزراعات.
  • أنظمة إنذار مبكر: تعزيز أجهزة إنذار موجات الحر والجفاف والفيضانات، مقترنة بخطط جماعية وجهوية للاستجابة.
  • حماية اجتماعية: آليات دعم موجهة للأسر والفلاحين الأكثر تضرراً من الصدمات المناخية وارتفاع الأسعار.

وعلى المدى المتوسط، قد يشكل “سوبر إل نينيو” 2026–2027 اختباراً عملياً للاستراتيجية المغربية في التكيف مع التغير المناخي، مبيّناً حيث تنجح التدابير وحيث تحتاج إلى تعديل.

قد يعجبك ايضا