لا يقتصر تحدي تطوير اقتصاد الهيدروجين الأخضر في المغرب على رفع قدرات الإنتاج، بل يمتد إلى إيجاد حلول فعالة لنقل الكميات المنتجة، خصوصا من مناطق الجنوب، نحو مراكز التخزين والاستهلاك والموانئ الموجهة للتصدير. وفي هذا السياق، قدمت دراسة حديثة نموذجا هندسيا واقتصاديا لشبكة وطنية محتملة لنقل الهيدروجين، بهدف تحديد الخيارات الأكثر كفاءة من حيث التكلفة مستقبلا.
واختبرت الدراسة، المنشورة في مجلة «هيدروجين»، عددا من السيناريوهات الممتدة إلى سنوات 2030 و2040 و2050، انطلاقا من شبكة تضم أربع نقاط رئيسية هي طانطان والمحمدية والجرف الأصفر وطنجة المتوسط، وذلك لمحاكاة مسارات النقل الممكنة بين مناطق الإنتاج ومراكز التخزين والاستهلاك والتصدير.
وتشير نتائج النمذجة إلى أن البنية التحتية الأكثر ملاءمة اقتصاديا قد تقوم على مزيج من النقل عبر الأنابيب والشحن البحري الساحلي، بدلا من إنشاء شبكة أنابيب تمتد بشكل مباشر إلى جميع الموانئ والمراكز المستهدفة.
وبحسب السيناريو الذي خلصت الدراسة إلى أنه الأكثر ملاءمة من الناحية الاقتصادية، يمكن إنشاء خط أنابيب مخصص لنقل الهيدروجين يربط بين طانطان والمحمدية، على مسافة تقارب 900 كيلومتر، بما يسمح بنقل الإنتاج من مناطق الجنوب نحو وسط المملكة.
أما الربط مع الجرف الأصفر وطنجة المتوسط، فيقترح النموذج أن يتم عبر النقل البحري الساحلي انطلاقا من المحمدية، وهو خيار اعتبره الباحثون أقل كلفة مقارنة بإنشاء خطوط أنابيب مستقلة تصل مباشرة إلى الميناءين.
وتشدد الدراسة، في المقابل، على أن هذه النتائج لا تعني وجود مشروع فعلي لتنفيذ خط أنابيب بهذه المواصفات، إذ يتعلق الأمر بنموذج أكاديمي استخدم تقنيات النمذجة لمحاكاة السيناريوهات الممكنة، وتحديد البنية التحتية التي قد توفر أعلى قدر من الكفاءة الاقتصادية مستقبلا.
وتمنح النتيجة المحمدية دورا محوريا في الشبكة المقترحة، إذ لا تظهر فقط كنقطة عبور للهيدروجين القادم من الجنوب، وإنما كمركز محتمل للتخزين وإعادة التوزيع نحو مختلف وجهاته.
ويرتكز هذا التصور على إمكانية الاستفادة مستقبلا من منشآت لتخزين الهيدروجين داخل التجاويف الملحية القريبة من المدينة، بما قد يتيح استقبال الهيدروجين المنقول من الجنوب وتخزينه، قبل إعادة توجيهه نحو مواقع الاستهلاك الصناعي أو ممرات التصدير.
وبذلك، تتحول المحمدية في السيناريو الذي اختبرته الدراسة إلى حلقة وصل استراتيجية بين مناطق الإنتاج المفترضة في جنوب المملكة من جهة، والبنية الصناعية والمينائية المتمركزة في وسط البلاد وشمالها من جهة أخرى.
وتبرز الدراسة، من خلال هذا النموذج، أحد أبرز التحديات التي قد تواجه بناء اقتصاد الهيدروجين الأخضر، والمتمثل في تطوير منظومة متكاملة للنقل والتخزين قادرة على مواكبة نمو الإنتاج وربطه بمراكز الطلب المحلية والأسواق الخارجية.
فالرهان على زيادة قدرات إنتاج الهيدروجين لا ينفصل عن الحاجة إلى بنية لوجستية تضمن نقله بكفاءة إلى وجهاته النهائية، وهو ما يجعل المفاضلة بين الأنابيب والنقل البحري ومنشآت التخزين عنصرا أساسيا عند التخطيط لشبكات الهيدروجين المستقبلية.
ومن هذه الزاوية، يقترح النموذج المدروس تركيبة تجمع بين خط نقل بري طويل يربط الجنوب بالمحمدية، ومركز تخزين استراتيجي، وشبكة توزيع بحرية ساحلية نحو الجرف الأصفر وطنجة المتوسط، بما يسعى إلى تحقيق توازن بين متطلبات البنية التحتية وكلفتها الاقتصادية.
وتظل هذه النتائج، في نهاية المطاف، ضمن نطاق الدراسة الأكاديمية والنمذجة الاقتصادية والهندسية، ولا تمثل إعلانا عن مشروع استثماري أو قرارا حكوميا بالتنفيذ. غير أنها تقدم تصورا محتملا لكيفية بناء شبكة وطنية مستقبلية يمكن أن تربط موارد الهيدروجين الأخضر في جنوب المغرب بالمراكز الصناعية والموانئ والأسواق الخارجية.




