في ظل التحديات المستمرة التي تواجه المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، يجدد الاتحاد المغربي للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة دعوته إلى الحكومة لاتخاذ إجراءات عملية تكفل الإنصاف الاقتصادي وتضمن تكافؤ الفرص. ولا يتعلق الأمر بمجرد لائحة من المطالب المهنية، بل بضرورة اعتماد مقاربة اقتصادية تستند إلى الخبرة الميدانية للفاعلين الذين يعيشون يومياً واقع المقاولة، ويدركون عن قرب الإكراهات التي تحد من قدرتها على الاستثمار والنمو وخلق فرص الشغل.
غالباً ما يكون من المفيد للحكومات أن تنصت باهتمام إلى الفاعلين الذين يحتكون يومياً بالواقع الاقتصادي. فالتجارب الميدانية للمقاولين، وملاحظات الهيئات المهنية، وشهادات ممثلي المقاولات الصغيرة، تشكل مصدراً مهماً للمعلومات التي تساعد على فهم الصعوبات العملية التي تواجه النسيج الاقتصادي الوطني.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بالتمويل، والمساطر الإدارية، والضرائب، وآجال الأداء، والولوج إلى الصفقات العمومية. فهذه القضايا ليست مجرد ملفات تقنية، بل عوامل تؤثر بصورة مباشرة في استمرارية المقاولات، وقدرتها على الاستثمار، وتطوير أنشطتها، والحفاظ على مناصب الشغل.
ومن هذا المنطلق، يأتي التحرك الجديد للاتحاد المغربي للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، الذي يوجه نداءً إلى رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، وإلى أعضاء الحكومة المرتقبة، من أجل إعادة الاعتبار لانشغالات المقاولات الصغيرة والمقاولين الذاتيين.
ومن خلال قناته «صوت المقاولة الصغيرة | TPE Voice»، يسعى الاتحاد إلى وضع هذه الانشغالات في صلب النقاش الاقتصادي، مؤكداً أن تحقيق الإنصاف وتكافؤ الفرص يقتضي الانتقال من تشخيص الصعوبات إلى اعتماد تدابير ملموسة تستجيب لانتظارات الفاعلين الاقتصاديين.
التمويل والصفقات العمومية والضرائب في صدارة المطالب
تتوزع مطالب الاتحاد على مجموعة من الملفات التي يعتبرها أساسية لاستمرارية المقاولات الصغيرة وتطوير قدرتها التنافسية. ويأتي التمويل في مقدمة هذه الأولويات، من خلال الدعوة إلى إحداث بنك عمومي يسهم في تسهيل الولوج إلى القروض ومواكبة المشاريع الاستثمارية.
فبالنسبة إلى عدد من المقاولات الصغيرة، لا يرتبط الحصول على التمويل بمجرد الرغبة في توسيع النشاط، بل يمثل شرطاً أساسياً لاقتناء المعدات، وتمويل الطلبيات، وتطوير الإنتاج، والوفاء بالالتزامات تجاه الموردين والزبائن. ولذلك، فإن تحسين شروط التمويل يمكن أن يشكل رافعة لدعم المبادرة المقاولاتية وتعزيز النسيج الإنتاجي الوطني.
أما الصفقات العمومية، فيطالب الاتحاد بتعزيز فرص مشاركة المقاولات الصغيرة في الطلب العمومي، وضمان شروط أكثر إنصافاً للمنافسة، مع الدعوة إلى تفعيل المقتضيات القانونية التي يستند إليها في المطالبة بتخصيص نسبة 20 في المائة من المبلغ الإجمالي للصفقات العمومية لفائدة هذه المقاولات. ويظل التحقق من نطاق هذه المقتضيات وكيفية تطبيقها الفعلي أمراً ضرورياً لتحديد سبل تنزيل هذا المطلب على أرض الواقع.
وفي الجانب الجبائي، يدعو الاتحاد إلى اعتماد مقاربة تراعي الإمكانات المالية للمقاولات الصغيرة وخصوصياتها الاقتصادية، مطالباً بخفض نسبة الضريبة على الشركات من 20 في المائة إلى 10 في المائة، باعتبار ذلك مطلباً يرمي إلى تخفيف الأعباء وتعزيز قدرة المقاولات على الاستثمار والتشغيل. ويستدعي هذا المقترح دراسة دقيقة تأخذ بعين الاعتبار الأنظمة الضريبية المعمول بها، والفئات المعنية، والآثار المحتملة على الاستثمار والمالية العمومية.
وتحتل آجال الأداء بدورها مكانة مهمة ضمن المطالب المطروحة، إذ يقترح الاتحاد تحديد أجل أقصى للأداء في حدود 30 يوماً لفائدة المقاولات الصغيرة. ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنظر إلى محدودية السيولة المتاحة لدى العديد من هذه الوحدات الاقتصادية، حيث يمكن أن تؤدي التأخيرات في تحصيل المستحقات إلى عرقلة أداء الأجور، وتسديد مستحقات الموردين، وتمويل الطلبيات الجديدة.
مواكبة أقرب إلى المقاولات وأكثر استجابة لاحتياجاتها
لا تقتصر مطالب الاتحاد على الجوانب المالية والضريبية، بل تمتد إلى ضرورة تطوير منظومة المواكبة العمومية. وفي هذا السياق، يدعو إلى إشراك ممثليه في إعداد برامج الدعم قبل إطلاقها، بهدف ضمان ملاءمتها مع الاحتياجات الفعلية للمقاولات، وتفادي وضع آليات قد تبدو مناسبة من الناحية النظرية، لكنها تصطدم بصعوبات إدارية أو عملية عند تنفيذها.
ويطرح هذا المطلب قضية أساسية تتعلق بالحكامة الاقتصادية، تتمثل في أهمية إشراك التنظيمات المهنية في تصميم السياسات العمومية وتقييم نتائجها. فالهيئات التي تواكب المقاولات وتستمع إلى انشغالاتها تستطيع تقديم معطيات تساعد على تحديد العقبات التي تحول دون الاستفادة من برامج الدعم، واقتراح تعديلات تجعلها أكثر نجاعة ووضوحاً.
كما يقترح الاتحاد إحداث وكالة وطنية تحت اسم «المغرب للمقاولات الصغيرة جداً» (Maroc TPE)، مع توفير فروع لها بمختلف أقاليم المملكة، بما يسمح بتقريب خدمات المواكبة الإدارية والتقنية والتدبيرية من المقاولين. ومن شأن هذا التصور، إذا جرى اعتماده وفق آليات واضحة وموارد كافية، أن يساهم في تقليص الفوارق المجالية في الولوج إلى خدمات الدعم، وأن يوفر للمقاولات الصغيرة مخاطباً مؤسساتياً أقرب إلى احتياجاتها اليومية.
وفي السياق نفسه، يشدد الاتحاد على ضرورة تسريع الرقمنة وتبسيط المساطر الإدارية، مع توفير الدعم المالي اللازم لتمكين المقاولات الصغيرة من الاستفادة من التحول الرقمي. كما يلفت الانتباه إلى أهمية الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة يمكن أن تساعد هذه المقاولات على تحسين الإنتاجية، وتطوير الخدمات، وتدبير الموارد، وتعزيز القدرة على المنافسة.
فالتحدي المطروح اليوم لا يتمثل فقط في تمكين المقاولات الصغيرة من الاستمرار، بل أيضاً في مساعدتها على التكيف مع التحولات التكنولوجية والاقتصادية، حتى لا تتسع الفجوة بينها وبين المقاولات الكبرى الأكثر قدرة على الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا.
الإنصات والحوار رافعتان لتحسين السياسات العمومية
وفي معرض استحضاره للتجارب السياسية السابقة، يشير الاتحاد إلى تجربة حكومة التناوب التوافقي التي ترأسها الراحل عبد الرحمن اليوسفي، بمشاركة أحزاب الكتلة الديمقراطية، باعتبارها محطة تستحق استحضار بعض الدروس المرتبطة بالحوار والتوافق وإدارة الإصلاحات.
وتكمن أهمية هذا الاستحضار في التأكيد على أن الإصلاحات المستدامة تحتاج إلى قنوات منتظمة للتواصل بين المؤسسات العمومية والفاعلين الاقتصاديين والتنظيمات المهنية. فالحوار لا يضمن وحده حل جميع الإشكالات، لكنه يتيح اختبار القرارات المقترحة على ضوء الواقع، واستباق بعض آثارها، وترتيب الأولويات على أساس معطيات أكثر دقة.
وبالنسبة إلى المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة، يمكن لهذا النهج أن يساعد على تحقيق انسجام أفضل بين الأهداف الوطنية المرتبطة بالاستثمار والتشغيل والتنافسية، وبين الإمكانات الفعلية للمقاولات وقدراتها التدبيرية والمالية. كما يتيح تقييم برامج الدعم القائمة، والوقوف على الصعوبات التي تواجه المستفيدين، وتحديد التعديلات الضرورية لتحسين فعاليتها.
ومن هنا، فإن إصرار الاتحاد المغربي للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة على طرح مطالبه يستحق أن يُقرأ باعتباره دعوة إلى تعميق الحوار الاقتصادي، وليس مجرد تعبير عن مطالب فئوية. فالإنصات إلى التنظيمات المهنية لا يعني بالضرورة الاستجابة التلقائية لكل مقترحاتها، بل يقتضي دراسة حججها بموضوعية، والاستفادة من خبرتها، ومقارنة مطالبها بأهداف المصلحة العامة والإمكانات المالية والإطار القانوني المعمول به.
وفي الوقت الذي يسعى فيه المغرب إلى تعزيز نسيجه الإنتاجي، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع قاعدة التشغيل، تبرز أهمية توفير بيئة أكثر ملاءمة للمقاولات الصغيرة، بما يتيح لها فرصاً أفضل للولوج إلى التمويل والصفقات العمومية وبرامج المواكبة والأدوات الرقمية.
إن الرسالة التي يوجهها الاتحاد إلى الحكومة المرتقبة تتجاوز حدود المطالبة بإجراءات ظرفية، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول منهجية إعداد السياسات الاقتصادية: كيف يمكن بلورة قرارات أكثر فعالية دون الاستفادة الكافية من معرفة الفاعلين الذين يواجهون يومياً تحديات السوق؟
إن الإجابة تقتضي إرساء حوار منتظم ومسؤول، ودراسة المقترحات وفق معايير واضحة، وربط الالتزامات بنتائج قابلة للقياس والتقييم. فخبرة الفاعلين الميدانيين ليست مجرد شهادات تُجمع للاستئناس بها، بل يمكن أن تتحول إلى أداة عملية لدعم القرار العمومي وتحسين جودة السياسات الاقتصادية.
وفي المحصلة، فإن تعزيز مكانة المقاولات الصغيرة في الاقتصاد المغربي يقتضي أكثر من الاعتراف بأهميتها في الخطاب العام؛ فهو يحتاج إلى إجراءات قابلة للتنفيذ، وآليات مواكبة فعالة، وقواعد أكثر إنصافاً للولوج إلى الفرص الاقتصادية. وبين مطالب الاتحاد ومسؤوليات الحكومة، يظل الحوار الجاد والإنصات إلى التجارب الميدانية مدخلاً أساسياً لبناء بيئة أعمال أكثر توازناً، وتعزيز الاستثمار، وتوسيع فرص خلق الثروة ومناصب الشغل.


