في صلب الدورة الرابعة للمنتدى الدولي للطاقات، جمع النقاش الثاني، المخصص للصناعة وإزالة الكربون والتنافسية، فاعلين رئيسيين في مجالات الطاقة والهندسة والتمويل والاقتصاد الدائري.
وكان الهدف الإجابة عن سؤال محوري لمستقبل الاقتصاد الوطني: كيف يمكن تحويل الطاقة منخفضة الكربون إلى رافعة حقيقية للتنافسية الصناعية.
بالنسبة للمتدخلين، لا تقتصر الطاقة منخفضة الكربون على كونها مطلباً بيئياً، بل تشكل عاملاً مباشراً للتنافسية.
وأكدت أمل حموري، من “Schneider Electric”، أن هذا النوع من الطاقة يؤثر على ثلاث ركائز أساسية: الكلفة، والمرونة، والأداء. فحسن تدبير الطاقة يتيح تقليص الفاقد، وتحسين العمليات الصناعية، ورفع الإنتاجية.
والرهان واضح: طاقة محكمة التدبير تحمي هوامش الربح وتعزز قدرة المقاولات على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
الاستباق بدل الاكتفاء بالامتثال
في ظل تشديد المعايير، خاصة الأوروبية، أصبح لزاماً على الصناعيين المغاربة تغيير مقاربتهم، إذ لم يعد الأمر يتعلق بالامتثال فقط، بل بالاستباق.
وشدد المتدخلون على ضرورة إدماج إزالة الكربون في صلب الاستراتيجية المقاولاتية، بدءاً بتحسين قياس الاستهلاك والانبعاثات.
وكما أكدت أمل حموري، فإن الامتثال للمعايير الدولية أصبح مؤشراً على نضج صناعي، بقدر ما هو شرط للولوج إلى الأسواق.
النجاعة الطاقية: رافعة فورية للتنافسية
أجمع عدد من الخبراء، من بينهم رضا العلج وفؤاد الكوهين، على أن الأولوية يجب أن تُمنح للنجاعة الطاقية، وهي نقطة غالباً ما يتم التقليل من أهميتها.
فحتى قبل الاستثمار في الطاقات المتجددة، يمكن للمقاولات تقليص استهلاكها بشكل ملحوظ، قد يصل إلى 30% أو أكثر، ما يسمح بتحقيق مكاسب سريعة وتحسين مردودية الاستثمارات المستقبلية.
ولا تقتصر النجاعة الطاقية على استهلاك الكهرباء، بل تشمل أيضاً التكاليف غير المباشرة المرتبطة بالانقطاعات، والصيانة، وجودة الطاقة، والتي قد تؤثر بشكل كبير على الربحية الصناعية.
بنيات تحتية وإنتاج محلي لتعزيز الجاذبية
يشكل الولوج إلى طاقة موثوقة وتنافسية عاملاً حاسماً في جاذبية الاستثمارات الصناعية.
وفي هذا السياق، أبرز محمد قماح، ممثل “Nexans”، أهمية البنيات التحتية الكهربائية، خاصة من خلال الاستثمار في كابلات الجهد المتوسط وتطوير الإنتاج المحلي، بما يسهم في تأمين التزود بالطاقة وتقليص البصمة الكربونية.
كما تعزز القرب الصناعي، والرقمنة، والارتقاء بجودة التجهيزات موقع المغرب كمنصة تصديرية.
التمويل ونماذج مبتكرة لتسريع الانتقال
وأشار سعد غزاوي إلى توفر عدة آليات، خاصة نماذج ESCO، التي تساعد على تجاوز عوائق الاستثمار الأولي.
وتتيح هذه النماذج للمقاولات الانخراط في الانتقال الطاقي دون تحمل كامل عبء التمويل، مع ضمان نتائج قابلة للقياس.
ما بعد الطاقة: دور الاقتصاد الدائري
لا تقتصر إزالة الكربون على الكهرباء فقط، فقد أبرزت نادية حمايتي الدور المحوري للاقتصاد الدائري، خاصة في مجال تدبير وتثمين النفايات.
وأوضحت أن تحسين تدبير النفايات يمكن أن يساهم في تقليص الانبعاثات، خاصة غاز الميثان، مع خلق قيمة مضافة للصناعة، في إطار تحول أشمل لنماذج الإنتاج.
تحول في المقاربة
خلصت النقاشات إلى وجود إجماع مفاده أن الانتقال الطاقي ليس مجرد تحول تكنولوجي، بل هو أيضاً تغيير في العقليات.
وأصبح مطلوباً من الصناعيين النظر إلى الطاقة ليس ككلفة، بل كميزة استراتيجية، عبر مقاربة متكاملة تجمع بين النجاعة الطاقية، والطاقات المتجددة، والابتكار.
أولويات واضحة لتسريع التحول
ومن بين التوصيات: تسريع نشر الطاقات المتجددة، وتعزيز النجاعة الطاقية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتطوير مناطق صناعية مستدامة، والاستثمار في الكفاءات المحلية.
كما تم التأكيد على أهمية التعاون بين القطاعين العام والخاص والمؤسسات الأكاديمية كرافعة أساسية لإنجاح هذا التحول.
رهان السيادة والتنافسية
في الختام، أبرز هذا النقاش حقيقة أساسية: إزالة الكربون أصبحت في صلب التنافسية الصناعية.
وبالنسبة للمغرب، فإن نجاح هذا التحول لا يعني فقط الاستجابة للمعايير الدولية، بل أيضاً تعزيز جاذبيته، وخلق قيمة محلية، وترسيخ موقعه ضمن سلاسل القيمة العالمية.





