يواصل المغرب تنفيذ استراتيجيته الرامية إلى تنويع قاعدته الصناعية وتعزيز حضور الأنشطة ذات القيمة المضافة التكنولوجية المرتفعة، مع إيلاء أهمية خاصة للقطاعات القادرة على دعم السيادة الاقتصادية والصناعية. وتبرز الصناعة الدوائية ضمن المجالات الاستراتيجية التي يمكن أن تساهم في تسريع هذا التحول، من خلال توسيع الإنتاج المحلي، وتطوير قدرات البحث والابتكار، وتعزيز الشراكات الصناعية والتكنولوجية مع الفاعلين الدوليين.
ويعكس الاهتمام الذي تبديه المختبرات الألمانية بالسوق المغربية التطور التدريجي لموقع المملكة ضمن الاستراتيجيات الصناعية للمجموعات الدوائية العالمية. وتُعد ألمانيا، بما تتوفر عليه من قاعدة صناعية متقدمة في مجالي الصناعات الدوائية والكيميائية، شريكاً محتملاً لدعم الارتقاء بالقدرات الإنتاجية المغربية وتطوير منظومة صناعية أكثر تخصصاً وتنافسية.
وتستند جاذبية المغرب في هذا المجال إلى مجموعة من العوامل الهيكلية، تشمل موقعه الجغرافي القريب من أوروبا، وتوفره على بنية لوجستية متطورة، وتوسع المناطق الصناعية المجهزة، إلى جانب تطور منظومة التكوين العالي وتوفر كفاءات علمية وتقنية في مجالات الصيدلة والكيمياء والهندسة الصناعية.
كما يشكل موقع المملكة باعتبارها منصة اقتصادية منفتحة على القارة الإفريقية عاملاً إضافياً في تعزيز اهتمام المستثمرين الدوليين. فبالنسبة إلى المجموعات الدوائية الكبرى، يمكن أن يتيح الاستثمار الصناعي بالمغرب فرصاً لتطوير وحدات إنتاج قادرة على تلبية احتياجات السوق الوطنية والتوجه نحو أسواق إفريقية تشهد ارتفاعاً متواصلاً في الطلب على الأدوية والمستلزمات الطبية.
ويندرج هذا التوجه ضمن التحولات العميقة التي تعرفها السياسات الصناعية العالمية، بعدما كشفت الاضطرابات التي شهدتها سلاسل التوريد الدولية خلال السنوات الأخيرة عن مخاطر التركيز الجغرافي للإنتاج الدوائي والاعتماد المفرط على عدد محدود من الموردين.
وقد دفعت هذه التطورات عدداً من الدول والمجموعات الصناعية إلى مراجعة استراتيجيات التوطين والإنتاج، والبحث عن مواقع صناعية بديلة أو مكملة تجمع بين الكفاءة التشغيلية والقرب من الأسواق والقدرة على ضمان استمرارية الإمدادات.
وفي هذا السياق، يملك المغرب فرصة لتعزيز موقعه ضمن الخريطة الصناعية الدوائية الدولية، شريطة تحويل الاهتمام الاستثماري إلى مشاريع إنتاجية فعلية تساهم في تطوير التكنولوجيا المحلية ورفع نسبة الإدماج الصناعي الوطني.
السيادة الصحية في صلب الاستثمارات الصناعية
يمثل تطوير الصناعة الدوائية بالنسبة إلى المغرب رهاناً استراتيجياً مزدوجاً، يتمثل في تعزيز الأمن الصحي وضمان استقرار تزويد السوق الوطنية بالأدوية، من جهة، وبناء قطاع صناعي تصديري يتمتع بقدرة تنافسية متنامية على المستوى الإقليمي والدولي، من جهة ثانية.
ولا يقتصر هذا الطموح على توسيع إنتاج الأدوية الجنيسة، بل يشمل أيضاً تطوير تصنيع المواد الفعالة الداخلة في تركيب الأدوية، والصناعات البيوتكنولوجية، والمستلزمات والأجهزة الطبية، وتجهيزات المختبرات، فضلاً عن أنشطة البحث والتطوير المرتبطة بالابتكار الصيدلاني.
وتكتسي هذه المجالات أهمية خاصة في ظل التحولات التي يشهدها الطلب العالمي على المنتجات الصحية، وتزايد الحاجة إلى تنويع مصادر الإنتاج وتقليص التبعية الخارجية في القطاعات ذات الحساسية الاستراتيجية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل التعاون الصناعي مع المقاولات الألمانية رافعة لتسريع نقل الخبرات والمعارف التقنية، وتطوير عمليات التصنيع، والارتقاء بمعايير الجودة والسلامة، بما يسمح للمقاولات المغربية بتحسين موقعها داخل سلاسل القيمة الدوائية الدولية.
كما يمكن للشراكات المحتملة أن تساهم في تطوير منظومات المناولة الصناعية، وإدماج الموردين المحليين في إنتاج بعض المكونات والتجهيزات والخدمات المرتبطة بالصناعة الدوائية، وهو ما من شأنه تعزيز القيمة المضافة المحلية وتقوية النسيج الصناعي الوطني.
وتشمل فرص التعاون كذلك مجال تكوين الموارد البشرية وتأهيل الكفاءات المتخصصة، باعتبار أن تطوير صناعة دوائية متقدمة يتطلب مهندسين وصيادلة صناعيين وتقنيين متخصصين، إلى جانب خبرات عالية في مراقبة الجودة، والتحاليل المخبرية، وتدبير العمليات الإنتاجية والامتثال للمعايير التنظيمية الدولية.
غير أن توفر المغرب على مؤهلات استثمارية مهمة لا يعني بالضرورة تحول الاهتمام الأجنبي إلى مشاريع صناعية ملموسة، إذ تظل قرارات التوطين مرتبطة بمجموعة من المحددات الاقتصادية والتنظيمية، وفي مقدمتها تكاليف الإنتاج، وفعالية المساطر الإدارية، وتوفر المواد الأولية، وشروط التمويل، وحجم الطلب، وإمكانات النفاذ إلى الأسواق المستهدفة.
وتفرض المنافسة الدولية المتزايدة في مجال استقطاب الاستثمارات الدوائية على المغرب مواصلة تحسين مناخ الأعمال، وتطوير البنيات التحتية المتخصصة، وتعزيز قابلية منظومته الصناعية للاستجابة لمتطلبات المجموعات العالمية، خصوصاً فيما يتعلق بالجودة والتتبع والاعتماد التنظيمي.
ويبرز كذلك الدور المحوري للتكامل بين المقاولات الصناعية والجامعات ومراكز البحث ومؤسسات التكوين، من أجل بناء منظومة دوائية وطنية متكاملة، قادرة على الجمع بين التصنيع والابتكار والتطوير التكنولوجي، وتحويل نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات صناعية ذات جدوى اقتصادية.
ومن شأن تعزيز هذا التكامل أن يساهم في رفع الإنتاجية، وتحسين تنافسية المنتجات المغربية، وتوسيع إمكانات التصدير، فضلاً عن خلق فرص شغل مؤهلة واستقطاب استثمارات جديدة في الأنشطة الصناعية ذات القيمة المضافة المرتفعة.
وفي المحصلة، تمثل آفاق التعاون الصناعي بين المغرب وألمانيا في المجال الدوائي فرصة استراتيجية لتسريع التحول الهيكلي لهذا القطاع، وتعزيز مكانة المملكة باعتبارها منصة إقليمية محتملة لإنتاج الأدوية والمستلزمات الصحية وتصديرها نحو الأسواق الإفريقية والدولية. غير أن تحقيق هذه الطموحات يظل مشروطاً بإعطاء الأولوية للاستثمارات التي تضمن نقل التكنولوجيا، وتطوير الكفاءات الوطنية، وتعميق الإدماج الصناعي المحلي، بما يسمح بالانتقال من جاذبية الاستثمار إلى بناء سيادة دوائية وصناعية مستدامة.


