أحدث المقالات

الشركات القابضة «أوفشور»: مكتب الصرف يعزز الرقابة

يعمل مكتب الصرف بالمغرب على تعزيز إطار الرقابة المطبق على الشركات القابضة «أوفشور» العاملة في المملكة. ومن خلال دورية جديدة، تعمل المؤسسة على تشديد متطلبات اليقظة والمراقبة الداخلية والامتثال، مع وضع تحديد المستفيدين الفعليين، وتتبع مسار الأموال، ومراقبة العمليات ذات المخاطر المرتفعة في صميم المنظومة الجديدة. ويأتي هذا التطور في إطار مرحلة جديدة من تحديث الرقابة المالية بالمغرب.

ويأتي تشديد الرقابة على الشركات القابضة «أوفشور» في سياق تطور أوسع للمنظومة المغربية الخاصة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فمنذ عدة سنوات، تخضع الشركات القابضة «أوفشور» لمجموعة من الالتزامات التي تفرضها التشريعات المغربية في مجال اليقظة والمراقبة. وتفرض القانون رقم 43-05 عليها، من بين أمور أخرى، تحديد هوية العملاء والمستفيدين الفعليين، ومعرفة طبيعة العلاقات التجارية، ومراقبة العمليات، والتصريح بالعمليات المشبوهة.

وتأتي الدورية الجديدة لتوضيح وتعزيز المتطلبات المطبقة على هذه الهياكل. ويستند هذا النهج إلى مبدأ أصبح محورياً في المعايير الدولية للامتثال، ومفاده أن مستوى الرقابة يجب أن يكون متناسباً مع مستوى المخاطر. وبمعنى آخر، لن تكون الشركات القابضة «أوفشور» مطالبة بالضرورة بتطبيق إجراءات متطابقة. بل يتعين أخذ حجم الشركة وطبيعة أنشطتها وتنظيمها وملف عملائها ومدى تعرضها لمختلف المخاطر بعين الاعتبار عند تقييم وإدارة متطلبات الامتثال.

ويشكل النهج القائم على المخاطر أحد الركائز الأساسية للمنظومة المغربية لمكافحة غسل الأموال. فالتشريع الجاري به العمل يلزم الجهات الخاضعة للرقابة بوضع سياسات للمراقبة الداخلية، وتدابير لليقظة، وآليات للكشف تتلاءم مع طبيعة وحجم أنشطتها. كما يتعين عليها تحديد مخاطرها وتقييمها وتوثيقها بشكل دوري، واعتماد تدابير معززة عندما تعتبر هذه المخاطر مرتفعة.

المستفيد الفعلي في صميم الرقابة الجديدة

يتعلق أحد أبرز محاور المنظومة الجديدة بتحديد المستفيد الفعلي. ففي هياكل الشركات القابضة، حيث يمكن أن تضم سلاسل الملكية عدة كيانات واختصاصات قضائية مختلفة، لم يعد تحديد الشخص الاعتباري أو ممثله القانوني وحده كافياً.

ويفرض النهج الجديد بالتالي الوصول إلى الأشخاص الطبيعيين الذين يمتلكون أو يسيطرون فعلياً على الهيكل. ويهدف هذا المتطلب إلى تعزيز شفافية الملكية والمساهمين، ومنع استخدام الهياكل القانونية المعقدة لإخفاء هوية المالكين الحقيقيين للأصول أو رؤوس الأموال.

كما يتعين على الشركات المعنية الاحتفاظ بمعلومات دقيقة وكافية حول عملائها وشركائها وعلاقاتها التجارية. وتشمل المتطلبات المغربية التحقق من الهوية، والشكل القانوني، والنشاط، والعنوان، ورأس المال، والمسيرين، وصلاحيات الأشخاص المخولين بتمثيل الأشخاص الاعتباريين.

رقابة أكبر على التدفقات المالية

يتعلق المحور الثاني الرئيسي بحركة رؤوس الأموال. فالشركات القابضة «أوفشور» تعمل بطبيعتها في بيئة دولية، وقد تتولى إدارة استثمارات ومساهمات وتدفقات مالية عابرة للحدود. ولذلك أصبحت قابلية تتبع هذه العمليات عنصراً أساسياً في منظومة الرقابة.

وتتركز اليقظة بشكل خاص على مصدر الأموال ووجهتها، وعلى مدى انسجام العمليات مع طبيعة وملف ومستوى مخاطر العلاقة التجارية. كما تلزم التشريعات المغربية الجهات الخاضعة للرقابة بالتحقق من مصدر الأموال ووجهتها، والتأكد من أن العمليات تتوافق مع المعلومات المتوفرة لديها بشأن العملاء.

كما ستتم إيلاء عناية خاصة للعمليات غير الاعتيادية أو المعقدة أو التي تعتبر ذات مخاطر مرتفعة. ولا يتمثل الهدف في عرقلة العمليات الدولية المشروعة، وإنما في تمكين الشركات من اكتشاف العمليات التي تستدعي تحليلاً معمقاً، والتصريح بها للسلطات المختصة عندما تتوفر الشروط القانونية لذلك.

الامتثال يتحول إلى وظيفة أساسية في الحوكمة

من التطورات المهمة أيضاً تنامي أهمية وظيفة الامتثال داخل حكامة الشركات القابضة «أوفشور». فتعيين مسؤول يتولى الإشراف على منظومة الامتثال يسمح بتحديد المسؤوليات الداخلية بشكل واضح وضمان التتبع المستمر للإجراءات المعتمدة.

ولم تعد هذه الوظيفة مجرد مهمة إدارية. فهي تشمل وضع الإجراءات، وحفظ المعلومات وتحيينها، ومراقبة العمليات، وتدبير التنبيهات، وإبلاغ الإدارة بشكل منتظم بالعلاقات التجارية التي تنطوي على مستوى مرتفع من المخاطر.

وتفرض المنظومة المغربية على الجهات الخاضعة للرقابة وضع أنظمة داخلية لليقظة والكشف والتتبع وتدبير المخاطر المرتبطة بغسل الأموال. كما يتعين على المسؤولين المعنيين تجميع المعلومات المتعلقة بالعمليات غير الاعتيادية أو المعقدة، وإبقاء الإدارة على اطلاع منتظم بالعمليات التي ينفذها العملاء الذين يمثلون ملفاً مرتفع المخاطر.

تحول أوسع في الثقافة التنظيمية

وبعيداً عن المتطلبات التشغيلية، تعكس الإجراءات التي يعتمدها مكتب الصرف تحولاً أعمق في المقاربة التنظيمية المغربية، يتمثل في الانتقال من رقابة تركز أساساً على العمليات إلى إشراف يعتمد بشكل متزايد على المخاطر، ومعرفة الفاعلين، وجودة أنظمة الرقابة الداخلية.

وينسجم هذا التوجه مع استراتيجية مكتب الصرف للفترة 2025-2029، التي تضع الرقابة الذكية والابتكار التنظيمي والتحول الرقمي وتحسين الحكامة ضمن أولوياتها الرئيسية.

وتأتي المنظومة الجديدة أيضاً في وقت يعمل فيه مكتب الصرف على تحديث الإطار العام لتنظيم عمليات الصرف. وتهدف التعليمة العامة لعمليات الصرف لسنة 2026، التي نشرت في يونيو 2026، إلى جعل القواعد التنظيمية أكثر وضوحاً وسهولة في الولوج، مع مواكبة الاستثمار والصادرات وتحديث عمليات الصرف.

وبالنسبة للشركات القابضة «أوفشور»، فإن هذا التطور يعني أن الامتثال لم يعد مجرد التزام إداري ثانوي، بل أصبح أداة حقيقية للحكامة وتدبير المخاطر.

الحفاظ على الجاذبية وتعزيز المصداقية

يتمثل التحدي أمام المغرب في الحفاظ على جاذبية نظام «أوفشور»، مع ضمان مستوى مرتفع من الشفافية والأمن المالي في الوقت نفسه. ولا يزال نظام الشركات القابضة «أوفشور» يؤدي وظيفة محددة في البيئة المالية المغربية، ولا سيما في مجال تدبير المحافظ الاستثمارية والمساهمات في الشركات غير المقيمة.

ويتيح الإطار القانوني لهذه الشركات، على وجه الخصوص، ممارسة أنشطة تدبير المحافظ وأخذ المساهمات، برأسمال محرر بالعملات الأجنبية القابلة للتحويل، وبعمليات تنفذ بهذه العملات. كما يتعين على الشركات إشعار مكتب الصرف بإحداثها وفق الشروط التي تحددها القواعد التنظيمية المعمول بها.

ولا يعني تعزيز الرقابة بالضرورة فرض قيود تهدف إلى إبطاء النشاط. بل يعكس بالأحرى رغبة في توفير بيئة يمكن للهياكل «أوفشور» أن تواصل فيها أداء دورها، مع احترام معايير أعلى من الشفافية وقابلية تتبع الأموال والامتثال.

ومن خلال هذا الإطار الجديد، يوجه مكتب الصرف رسالة واضحة: الانفتاح المالي وتسهيل العمليات الدولية يجب أن يترافقا مع معرفة دقيقة بالفاعلين، وتعزيز قابلية تتبع رؤوس الأموال، وإرساء حكامة قوية.

وبالنسبة للشركات القابضة «أوفشور»، أصبحت المتطلبات واضحة: إعداد خريطة محينة للمخاطر، وتحديد المستفيدين الفعليين بدقة، وتوثيق مصدر الأموال ووجهتها، ومراقبة العمليات غير الاعتيادية، وإضفاء طابع مهني على وظيفة الامتثال.

أما بالنسبة للمغرب، فتساهم هذه الدينامية بشكل أوسع في ترسيخ منظومة مالية أكثر شفافية ومصداقية وانسجاماً مع المعايير الدولية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الطابع الدولي لمراكزه المالية «أوفشور».

قد يعجبك ايضا