أحدث المقالات

السياحة لدى السكان: سوق مغربي في توسّع

يشهد القطاع السياحي المغربي تحولاً نوعياً، ولا يقتصر هذا التحول على الفنادق والمنتجعات والمؤسسات السياحية التقليدية. فقد بدأت أشكال أخرى من الإيواء تكتسب زخماً متزايداً، وفي مقدمتها السياحة لدى السكان المحليين، ودور الضيافة، والرياض، وأماكن الإقامة قصيرة الأمد، والتجارب السياحية الأصيلة القريبة من السكان والمجالات الترابية.

ويستجيب هذا الاتجاه لتحول عميق في الطلب السياحي: السفر بطريقة مختلفة، والاستفادة من مساحة أكبر، والبحث عن الأصالة، والعيش مثل السكان المحليين، وإمكانية إعداد الطعام، والوصول إلى أحياء أقل سياحية، وغالباً التحكم بشكل أفضل في الميزانية. غير أنه من المهم منذ البداية التمييز بين مختلف أشكال الإيواء، إذ إن الإحصاءات الرسمية المغربية تقيس أساساً مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة. وبالتالي، فإن جزءاً مهماً من الإيجارات بين الأفراد وأماكن الإقامة غير المصنفة لا يزال خارج نطاق الإحصاءات السياحية التقليدية. وقد أقرت الوزارة نفسها بالحاجة إلى تحديث منظومة المعلومات السياحية من أجل توفير بيانات أكثر شمولاً ودقة.

سوق يستفيد من الطفرة الكبيرة في الطلب السياحي

السياق الحالي استثنائي. ففي سنة 2025، استقبل المغرب 19.8 مليون سائح، بزيادة قدرها 14% في سنة واحدة و53% مقارنة بسنة 2019. وبلغت مداخيل السياحة رقماً قياسياً قدره 138 مليار درهم، بزيادة 21% مقارنة بسنة 2024. كما سجلت مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة 43.4 مليون ليلة مبيت، بارتفاع قدره 9%.

وتؤكد بداية سنة 2026 استمرار هذا الزخم. ففي الربع الأول من السنة، ارتفع عدد الوافدين السياحيين بنحو 7% على أساس سنوي، فيما بلغت مداخيل الأسفار 31 مليار درهم خلال الربع الأول، بزيادة قدرها 24%.

وتخلق هذه الدينامية بشكل طبيعي مجالاً واسعاً لأشكال الإيواء البديلة. فكلما ارتفع عدد الزوار، ازدادت تنوعاً احتياجاتهم. وليس كل السياح يبحثون عن فنادق من أربع أو خمس نجوم، إذ يفضل البعض شقة أو فيلا أو رياضاً أو دار ضيافة أو غرفة مستقلة أو مسكناً يقع داخل حي سكني.

ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة خلال فصل الصيف. ففي يوليوز وغشت 2025، استقبل المغرب 4.6 مليون سائح، بزيادة 6% مقارنة بالفترة نفسها من السنة السابقة. ومثّل المغاربة المقيمون بالخارج 3 ملايين وافد خلال هذين الشهرين، بارتفاع بلغ 13%. وبحلول نهاية غشت، كان المغرب قد سجل بالفعل 13.5 مليون سائح.

وتفرض هذه الكتلة السياحية الصيفية ضغطاً خاصاً على قطاع الإيواء. فالعائلات الكبيرة ومجموعات الأصدقاء ومغاربة العالم يبحثون غالباً عن مساكن تسمح لهم بالإقامة عدة أيام أو أسابيع، مع توفر عدة غرف، ومطبخ، وصالون، وموقف للسيارات، ومساحة أكبر من الاستقلالية مقارنة بالغرفة الفندقية التقليدية.

مراكش وأكادير وطنجة والدار البيضاء: أكثر المجالات جذباً

تستفيد السياحة لدى السكان أولاً من تركّز الطلب في الوجهات السياحية الكبرى. وتظل مراكش السوق الطبيعية الأولى للرياض ودور الضيافة والفيلات والإيجارات قصيرة الأمد. فالمدينة تجمع بين السياحة الدولية، والسياحة الوطنية، ومغاربة العالم، والسياحة الترفيهية، والفعاليات، والسياحة الراقية.

أما أكادير وتغازوت فتتمتعان بميزة أخرى تتمثل في الجمع بين السياحة الشاطئية وركوب الأمواج والعائلات والسياح الأوروبيين والإقامات المتوسطة المدة. كما توجد إمكانات كبيرة في المناطق الساحلية التي يبحث فيها الزوار عن شقق أو منازل قريبة من البحر.

وتستفيد طنجة من موقعها المتوسطي وقربها من أوروبا وديناميتها الاقتصادية وارتفاع تدفقاتها السياحية.

أما فاس فتقدم نموذجاً مهماً للسياحة الثقافية والتجريبية.

وإلى جانب هذه الوجهات الكبرى، تبرز أسواق ذات إمكانات قوية مثل شفشاون، والصويرة، وورزازات، ومرزوكة، وإمليل، وأزيلال، وبين الويدان، والحسيمة، والداخلة ومناطق الأطلس. وفي هذه المجالات تحديداً يمكن للسياحة لدى السكان أن تؤدي دوراً مهماً، من خلال تطوير العرض السياحي في مناطق تظل فيها الطاقة الاستيعابية الفندقية التقليدية محدودة نسبياً.

ماذا يبحث عنه الزبون فعلياً؟

يتغير الطلب السياحي باستمرار. ولا يزال السعر عاملاً أساسياً، لكنه لم يعد المعيار الوحيد. فالمسافر يبحث اليوم عن أفضل علاقة بين السعر والجودة، لكنه يبحث أيضاً عن تجربة متكاملة.

ويأتي في مقدمة أولوياته النظافة، والأمان، وجودة الفراش، واتصال موثوق بالإنترنت، والتكييف، وحمام حديث، ومطبخ مجهز بشكل جيد.

ثم تأتي عوامل الموقع، وسهولة الوصول، ومواقف السيارات، وجودة الاستقبال، وسرعة تجاوب المضيف، ومدى تطابق الصور المنشورة مع الواقع.

وبالنسبة للعائلات، تصبح المساحة عاملاً حاسماً. فقد تكون شقة تضم غرفتين أو ثلاث غرف أكثر جاذبية من حجز عدة غرف فندقية منفصلة.

أما بالنسبة للشباب والأزواج، فقد يكون الموقع والأصالة والتصميم والشرفة والإطلالة والقرب من المطاعم والمعالم السياحية عوامل حاسمة في اتخاذ القرار.

وبالنسبة للسياح الدوليين، تظهر قيمة إضافية تتمثل في التجربة المحلية. فالفطور التقليدي، والمطبخ المغربي، والنصائح الشخصية، واكتشاف الحي، والحرف التقليدية، والرحلات، والمشي الجبلي، وركوب الأمواج، وفنون الطبخ أو التجارب الثقافية، يمكن أن تحول مسكناً عادياً إلى منتج سياحي متكامل.

فالزبون لم يعد يشتري مجرد سرير، بل يشتري مكاناً وتجربة وعلاقة مع المجال الترابي والسكان المحليين.

من هم الزبائن؟

أصبحت قاعدة الزبائن شديدة التنوع. ويشكل السياح الدوليون سوقاً رئيسياً، خصوصاً الفرنسيين والإسبان والبريطانيين والبلجيكيين والإيطاليين، الذين يعدون من أهم الأسواق المصدرة للسياح إلى المغرب.

وفي سنة 2025، ارتفعت الوافدات السياحية بنسبة 11% من فرنسا، و12% من إسبانيا، و18% من المملكة المتحدة، و10% من بلجيكا، و21% من إيطاليا.

لكن سيكون من الخطأ تجاهل السياح المغاربة والسكان المغاربة المقيمين بالخارج.

وتوضح 3 ملايين وافد من مغاربة العالم خلال يوليوز وغشت 2025 الوزن الكبير لهذه الفئة خلال موسم الذروة.

ويضم السوق بالتالي عدة شرائح: العائلات المغربية، والأزواج الشباب، ومجموعات الأصدقاء، ومغاربة العالم، والسياح الأوروبيين، والزوار لفترات طويلة، ومحبي رياضة ركوب الأمواج، وهواة المشي الجبلي، والسياح الثقافيين، والمسافرين الباحثين عن أسعار مناسبة، إضافة إلى الزبائن الباحثين عن تجارب سياحية راقية.

ويتيح هذا التنوع فرصاً كبيرة لأصحاب العقارات. فقد يتم توجيه المسكن نفسه إلى شرائح مختلفة حسب الموسم: العائلات خلال الصيف، والسياح الأوروبيون خلال الفترات الانتقالية، والعاملون عن بعد خلال الموسم المنخفض، والسياح الثقافيون، والمجموعات أو محبو الرياضات.

الدولة تبدأ في تنظيم العرض واحترافية القطاع

تتعلق إحدى أبرز التحولات بالإطار التنظيمي. فقد أصبح المغرب يتوفر على إطار قانوني أكثر تنظيماً بموجب القانون رقم 80-14 المتعلق بالمؤسسات السياحية وأشكال الإيواء السياحي الأخرى. وترى الوزارة أن هذا الإصلاح يهدف خصوصاً إلى تحسين جودة العرض الوطني وقدرته التنافسية ووضوحه.

وفي سنة 2025، تم أيضاً تحديث عدد من النصوص التنظيمية المتعلقة بمعايير تصنيف المؤسسات السياحية. وأصبح النظام يأخذ بعين الاعتبار بدرجة أكبر الجودة الفعلية للخدمة وتجربة الزبون.

ومنذ ماي 2026، أطلقت الوزارة كذلك برنامج «الزيارات السرية» لفائدة 2,500 مؤسسة إيواء مصنفة. ويهدف البرنامج إلى تقييم مختلف مراحل تجربة الزبون، من الحجز إلى المغادرة، ويشمل خصوصاً الفنادق والإقامات السياحية ودور الضيافة والرياض والقصبات.

ويكتسي هذا التحول أهمية كبيرة، إذ يدخل السياحة المغربية تدريجياً في مرحلة تصبح فيها تجربة الزبون لا تقل أهمية عن البنية التحتية نفسها.

«Go Siyaha» يفتح أيضاً نافذة أمام صغار المستثمرين

تواكب الدولة أيضاً ريادة الأعمال السياحية من خلال برنامج Go Siyaha. ومنذ يوليوز 2025، تم إلغاء الحد الأدنى للاستثمار المحدد سابقاً في مليون درهم، مما أتاح لمشاريع أصغر حجماً الاستفادة من البرنامج. كما يوفر البرنامج مواكبة تقنية منذ مرحلة الانطلاق، ويستهدف في سنة 2026 مواكبة 1,700 مقاولة سياحية.

ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنسبة للمناطق القروية والهياكل الصغيرة، إذ يفتح المجال أمام إضفاء طابع مهني تدريجي على دور الضيافة، والإيواء القروي، والتجارب السياحية والأنشطة المكملة.

كما تعمل الدولة على تطوير الرأسمال البشري. ففي يونيو 2026، مكّن برنامج KAFAA من اعتماد أكثر من 6,000 مهني، بالتزامن مع إطلاق النسخة الثالثة من البرنامج.

صيف 2026 قد يكون موسماً مفصلياً

تشير مختلف المؤشرات المتاحة إلى أن صيف 2026 مرشح للحفاظ على ديناميته القوية. فالمغرب ينطلق من مستوى قياسي بلغ 19.8 مليون سائح في سنة 2025، بينما سجل الربع الأول من سنة 2026 استمراراً في النمو بنسبة تقارب 7%.

ومن المتوقع أن تواصل جالية مغاربة العالم أداء دور مركزي خلال شهري يوليوز وغشت. وبالنسبة إلى أماكن الإيواء لدى السكان، يمثل هذا الموسم فرصة تجارية استثنائية، ولكنه يمثل أيضاً اختباراً حقيقياً لمدى احترافية هذا النشاط.

وسيكون بمقدور أصحاب المساكن النظيفة، والمجهزة جيداً، والموجودة في مواقع مناسبة، والمصورة بطريقة احترافية، والتي تعرض أسعارها بوضوح وتدار بشكل مهني، الاستفادة من جزء مهم من هذا الطلب.

لكن الإمكانات الحقيقية قد تكمن بعد انتهاء الصيف. فالتحدي يتمثل في تحويل نشاط موسمي بدرجة كبيرة إلى نشاط سياحي على مدار السنة.

فشقة في مراكش يمكن أن تستهدف السياح الدوليين خلال الخريف والشتاء. ومنزل في الأطلس يمكن أن يستقبل هواة المشي الجبلي. ومسكن في تغازوت يمكن أن يستهدف محبي ركوب الأمواج. ودار في فاس يمكن أن تطور تجارب ثقافية. وعقار في الداخلة يمكن أن يستهدف عشاق الرياضات المائية.

وهكذا يمكن للسياحة لدى السكان أن تصبح أداة لـ تنويع الموسم السياحي وتوزيع النشاط السياحي على مختلف المجالات الترابية بالمغرب.

سوق لا يزال ضعيف التوثيق لكنه استراتيجي

تكمن المفارقة الرئيسية هنا في أنه، في الوقت الذي أصبحت فيه السياحة المغربية موثقة بشكل جيد من حيث أعداد الوافدين وليالي المبيت والمداخيل، فإن الاقتصاد الحقيقي للإيواء لدى السكان لا يزال غير مقاس بشكل كافٍ عندما يتعلق الأمر بالمساكن غير المصنفة أو الإيجارات التي تتم خارج القنوات الرسمية للتصريح.

ومن المرجح أن يكون هذا أحد الأوراش الإحصائية الكبرى خلال السنوات المقبلة. فبالنسبة للسلطات العمومية، فإن معرفة عدد المساكن المعنية، وعدد ليالي المبيت، والمداخيل، وفرص العمل، والمجالات الترابية المعنية، وخصائص الزبائن، ستسمح بتصميم سياسات عمومية أكثر دقة وفعالية.

أما بالنسبة للمستثمرين والمقاولين، فإن هذا النقص النسبي في البيانات يمثل، paradoxically، فرصة بحد ذاته: السوق موجود، والطلب يتزايد، لكن إمكاناته الحقيقية لا تزال بحاجة إلى مزيد من القياس والتقييم.

وفي أفق 2030، ومع استهداف المغرب الوصول إلى 26 مليون سائح، يمكن أن يصبح الإيواء لدى السكان مكوناً مهماً من منظومة السياحة الوطنية، شريطة تحقيق التوازن المناسب بين حرية المبادرة، والضرائب، والأمن، والجودة، وحماية المستهلك، والمنافسة العادلة مع القطاع الفندقي، وإدماج هذا النشاط في الإحصاءات الوطنية.

فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مزيد من الغرف الفندقية، بل يحتاج أيضاً إلى طاقة استيعابية متنوعة، وأصيلة، وميسورة، وموزعة على مختلف المجالات الترابية.

وهنا تحديداً يمكن للسياحة لدى السكان أن تغير المعادلة: تحويل المساكن والمنازل والرياض وأماكن الإيواء القروية إلى وحدات اقتصادية صغيرة، وخلق مداخيل محلية، وتنشيط عمل الحرفيين والمطاعم والمرشدين ووسائل النقل، وتمكين الزائر من اكتشاف مغرب أكثر قرباً من السكان وأكثر أصالة.

في سنة 2026، لم تعد السياحة لدى السكان مجرد بديل للفندق، بل أصبحت في طريقها إلى أن تشكل قطاعاً حقيقياً داخل الاقتصاد السياحي المغربي، لا يزال قياس حجمه بشكل كامل يمثل تحدياً، لكنه يحمل إمكانات كبيرة للغاية.

قد يعجبك ايضا